شرفة جدتي: نص شعري يتأمل الفقد والذاكرة
في قصيدة 'شرفة جدتي'، يقدم الشاعر المغربي شفيق الإدريسي عملاً شعرياً يتجاوز حدود الوصف إلى التأمل في علاقة المكان بالذاكرة والفقد. تبدأ القصيدة بصورة الشرفة التي 'تتدلى كغيوم نسيت مكانها في السماء'، لترسم فضاءً هشاً بين الأرض والسماء.
الماء والخشب: رموز الزمن والغياب
يتكرر حضور الماء في القصيدة كعنصر محوري: 'والمطر يمر على الخشب الرطب كأنه يتعلم نطق اسم قديم'. هذا التصوير يحول المطر إلى كائن يتعلم، مما يعكس محاولة الشاعر لاستعادة الماضي عبر اللغة. كما أن 'النعناع يصغي لخرس الماء' يخلق توتراً بين الصوت والصمت، بين الحياة والموت.
الجدّة: حارسة الضوء والصمت
تتجسد الجدة كشخصية محورية تحافظ على ضوء البيت 'بإبرة الصمت'، وتخط في الهواء اسماً 'يتفلت كالدخان'. هذا الاستعارات تشير إلى هشاشة الذاكرة وصعوبة الإمساك بها. بعد غيابها، تتحول الشرفة إلى 'نهر لا يعبره أحد'، والنبات يميل 'كمن يسمع نداء بعيداً لا يسميه أحد'.
البكاء كوطن: تحول المشاعر إلى مكان
يصل الشاعر إلى ذروة العاطفة في قوله: 'إن البكاء ليس ماء، إنه وطن يسقط من السماء'. هنا يتحول البكاء من مجرد تعبير عن الحزن إلى هوية مكانية، مما يعمق فكرة أن الفقد يمكن أن يعيد تشكيل الجغرافيا الشخصية. الشرفة تبقى 'مشدودة بين الأرض والسحاب كسفينة نسيت ماءها'، في إشارة إلى التعلق بين عالمين.
الذاكرة والصدأ: مقاومة النسيان
المسامير 'تصدأ كذاكرة لا تريد أن تمحو وجهاً'، مما يجعل الصدأ استعارة للمقاومة ضد النسيان. الشمس تتسلق الجدار ببطء ثم تتركه في ظله، والماء 'يتعلم سقوطه كمن يتعلم الصلاة'. هذه الصور المتكررة للتعلم والتمرين تشير إلى أن الفقد هو عملية مستمرة من التأقلم والتذكر.
الصوت كريح: حضور غائب
يصف الشاعر صوت جدته كريح 'تمر على النخيل ثم تضيع في بعد لا يغلق الطريق'. هذا التصوير يجعل الصوت عنصراً طبيعياً لا يمكن السيطرة عليه، لكنه يظل حاضرا في الذاكرة. في الختام، يحمل الشاعر الشرفة داخله 'كجرح يتنفس ولا يشفيه الزمن'، مؤكداً أن الفقد يصبح جزءاً من الهوية.
القصيدة، التي نشرتها صحيفة عكاظ في 3 يوليو 2026، تمثل نموذجاً للشعر العربي المعاصر الذي يمزج بين الرمزية والوجدان، مستخدماً عناصر الطبيعة والمكان للتعبير عن أعمق مشاعر الفقد والحنين.



