في مقال سابق بعنوان «العلوم الإنسانية بين الإيصاد والتقنين»، ذكرت الكاتبة سلمى هوساوي أننا لا نستطيع الاستغناء عن العلوم الإنسانية والاعتماد على العلوم التجريبية والتطبيقية، بل نحتاج إلى تعاون هذه العلوم جنبا إلى جنب لتحقيق الفائدة وبناء مجتمع فكري يهدف إلى التنمية المستدامة. وفي هذا السياق، أصدرت جامعة الملك سعود قرارا بإيقاف هذه التخصصات، ثم عادت وأصدرت قرارا آخر بإعادة إتاحة القبول فيها، مما يؤكد ضرورة إعادة التوازن بين التخصصات التطبيقية والعلوم الإنسانية.
رؤية 2030 والعلوم الإنسانية
توضح الكاتبة أن رؤية المملكة 2030 في تقريرها السنوي لا تدعو إلى إلغاء العلوم الإنسانية، بل إلى تجويدها، مع التركيز على مخرجات نوعية قادرة على حمل إرث المعرفة ونقله للأجيال القادمة. ويستدل على ذلك بتأسيس المعهد الملكي للفنون التقليدية، وجامعة الرياض للفنون، والمعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية.
أهمية العلوم الإنسانية في بناء الإنسان
يشير المقال إلى أن التركيز المفرط على التخصصات التي تخدم سوق العمل يؤدي إلى إنشاء أجيال ماهرة تقنيا، لكنها ضعيفة في الفهم العميق للذات والمجتمع. وهنا تبرز أهمية العلوم الإنسانية باعتبارها العمود الأساسي في بناء الإنسان القادر على توظيف مهاراته كفرد مدرك ومسؤول عن ذاته ومجتمعه ووطنه.
ويؤكد الكاتب أن علم اللغة، والتاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، والتربية، وغيرها ليست مجرد مقررات دراسية، بل أدوات لتشكيل الوعي الإدراكي، فهذه العلوم تحفظ الهوية، وتبني الفكر وتنظمه وتحصنه من التناقض، وغاية ذلك القدرة على فهم الحاضر واستشراف المستقبل. ولا يعني ذلك تجاهل متطلبات سوق العمل، بل إعادة بنائها، فالسوق اليوم لم يعد يبحث فقط عن مهارات تقنية، بل عن أفراد يمتلكون التفكير النقدي والقدرة على التواصل، وهذه كلها مهارات تُصقل في مجال العلوم الإنسانية.
نموذج اختياري لتحسين الجودة
تقترح الكاتبة تبني نموذج اختياري يعمل على تقليل الكم وزيادة الكيف، بمعنى اختيار نخبة من الطلبة لدراسة هذه العلوم بعمق، مع إعدادهم جيدا لنشر المعرفة ونقلها بدقة وإتقان. هؤلاء ليسوا مجرد متخصصين، بل صناع وعي تقع على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيزها.
تحذير من إهمال العلوم الإنسانية
تحذر الكاتبة من أن إهمال العلوم الإنسانية يبدو خيارا عمليا على المدى القصير، لكنه على المدى البعيد يخلق فراغا عميقا لا تعوضه المهارات التقنية وحدها. وتؤكد أن النتائج لا تظهر في مدة قصيرة، بل تتراكم بهدوء حتى تصبح أزمة في المجتمع. والأخطر من ذلك، حين يُهمل التاريخ والجغرافيا واللغة، يضعف ارتباط الأجيال بجذورها الثقافية، ثم تتآكل الهوية، فالهوية ليست شعارات، بل معرفة متراكمة تُفهم وتُفسر وتُجدد.
وتضيف أن التركيز على التخصصات التطبيقية في الظاهر لدى البعض كافٍ، لكن الواقع يؤكد أن سوق العمل يحتاج إلى مهارات مثل التفكير النقدي، والتواصل الفعال، والحوار البناء، والأسلوب في الإقناع، وفهم السلوك البشري. وهذه مهارات تغذيها العلوم الإنسانية، ومن دونها نحقق كفاءات تنفيذية لا قيادية، فإهمال هذه العلوم يبني فجوة في فهم الذات البشرية وقدرتها على التفسير، ويجعل منها أداة للاستهلاك فقط.
وتستغرب الكاتبة من الاعتماد الكبير على المتخصصين في العلوم التطبيقية والعلمية في المناصب العليا في المؤسسات التعليمية أكثر من العلوم الإنسانية، وتتساءل: هل إتقان اللغة الإنجليزية هو السبب؟!
الخلاصة: التوازن هو الحل
وفي المجمل، على المدى البعيد، إذا أهملنا العلوم الإنسانية طويلا، سوف نبني مجتمعا قادرا على البناء المادي لكنه يفتقر إلى المهارات العقلية العليا. فالتحدي الحقيقي ليس بإيقاف تلك العلوم، بل بتحقيق توازن يحفظ للإنسان مهارته وذاته في آن واحد.



