لعنة الحروب المتتالية: كيف يُمزق العالم بعضه بعضاً في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين
لم يكن الشاعر كامل الشناوي يتخيل أن ما قاله وهو يصف نفسه في قصيدته «حبيبها» سوف يعيش ليصور حال عالمنا البائس في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. كان يتكلم عن نفسه حائراً تائهاً ويقول: «بعضي يمزق بعضي»، ولم يكن يتوقع أن هذا الشطر من بيت الشعر في قصيدته الشهيرة، أو تلك العبارة ذات الكلمات الثلاث، سوف تنتقل من توصيف حالته على مستواه في وقته، إلى وصف حالة عالمنا الذي لا يستيقظ في أول كل نهار، إلا وبعضه يضرب بعضه، أو يحطم بعضه، أو يمزق بعضه!
من الشناوي إلى عبد الصبور: استمرار التمزق في الشعر والحياة
ولا يتوقف الأمر عند حدود كامل الشناوي، وإنما يتجاوزه ليصل إلى الشاعر صلاح عبد الصبور من بعده، فلا يكاد العالم يفيق في مطلع كل نهار، وإلا ويجد أنه يردد مع عبد الصبور ما أطلقه في قصيدته «الظل والصليب» فقال: «رؤوس الناس على جثث الحيوانات، ورؤوس الحيوانات على جثث الناس». هي حالة يجد العالم أنه واقع في قبضتها، فلا يستطيع الخلاص منها، ولا يعرف كيف يمكن أن يغادرها، ولا يدري كيف يمكنه أن ينأى بنفسه عنها.
حالة أدخلته فيها أطراف قررت أن تشعل الحرائق بدلاً من أن تطفئها، وأن تصبّ الزيت على النار بدلاً من أن تباعد بين الاثنين، وأن تضيف إلى هموم إنسان العصر بدلاً من أن تخفف منها. في القلب من مشهد هذه هي ملامحه، لا بد أن تتابعه وأنت تتساءل عما إذا كان هناك رابح في هذا كله، أم أن الخسارة لن تستثني أحداً؟ وإذا كان هناك رابح، فمن هو هذا الطرف الذي يستطيع أن يبتعد بثيابه عن هذه النيران، التي لا تترك ثياباً إلا وتمتد إليها، وإلا وتتنقل بينها، وإلا وتتمدد فيها من بقعة إلى بقعة، ومن رقعة إلى أخرى، ومن مساحة إلى مساحة.
من الجائحة إلى الحروب: سلسلة لا تنتهي من الأزمات
كأن لعنة قد أصابت عالمنا المعاصر، فاستيقظ ذات يوم غير بعيد على جائحة حبسته في البيوت، ولم تفارقه إلا وقد أنهكته، وأرهقته، ونالت من قواه وعافيته، ثم تركته يلملم أشلاء وبقايا ما فقده على مدى سنوات الوباء. وما كاد يتخلص من أجواء الاختناق التي عاشها طوال أيام الجائحة، حتى وجد أنه على موعد مع الحرب الروسية - الأوكرانية التي نشبت في 24 فبراير (شباط) 2022، فلما دخلت عامها الخامس في الرابع والعشرين من الشهر قبل الماضي، كان الأمل أن يكون دخولها السنة الخامسة ذهاباً إلى نهاية لها، لا إلى نشوب حرب أخرى في الخليج.
ذلك أن دورانها في نطاقها المباشر فيما بين روسيا وأوكرانيا، لم يمنع أن تنشأ دوائر متتابعة خرجت من دائرتها المباشرة، فلم تتوقف الدوائر في تتابعها، ولا في تتاليها من وراء بعضها بعضاً. ولأنها كانت على هذه الصورة التي تراها على سطح الماء الراكد إذا أُلقيت فيه حجراً، فإن بيتاً في أرجاء العالم لم يفلت من تداعيات دوائر تأثيرها. كانت في حركتها تلحق ببعضها بعضاً، فتظل تتصل ولا تنمحي، إلا بعد أن تبلغ الشاطئ كدوائر الماء تماماً، ولم يكن الشاطئ في حالة الحرب إلا كل بيت في أركان الأرض.
حرب الخليج الثالثة: استمرار الدوامة العنيفة
ثم ما كاد أسبوع واحد يمر على بدء السنة الخامسة للحرب بين الروس والأوكرانيين، حتى كانت حرب الخليج الثالثة قد اشتعلت، فأزاحت حرب روسيا وأوكرانيا في ركن بعيد من كل شاشة، واستولت هي على الشاشات والصفحات، وملأت الدنيا وشغلت الناس، وانقلب مضيق هرمز الذي يدور حوله الصراع من ممر لا يكاد يسمع به أحد، إلى أكثر الكلمات ترديداً على ألسنة سكان العالم. لم يُطلق أحد على هذه الحرب مسمى حرب الخليج الثالثة بعد، ولكنها مسبوقة بحربين في المنطقة نفسها، إحداهما كانت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، والأخرى كانت حرب الخليج الثانية عند تحرير الكويت من الغزو العراقي.
لذلك؛ لا شيء سوف يمنع بعد سكوت المدافع، أن تُسمى هذه الحرب حرب الخليج الثالثة، ولا أحد يستطيع أن يخمن حجم ما سوف تخلفه حرب الخليج الثالثة هذه من ركام حين تذهب إلى التاريخ. هل كان وجود النفط في هذه المنطقة من العالم، هو السبب في الحروب الثلاث؟ وهل كان النفط هو السبب فيما أصاب أهل منطقتنا في حربين سبقتا، ثم في حرب ثالثة لا تكاد نارها تخبو في البر، حتى تكون قد اشتعلت في البحر؟
النفط ليس المتهم الوحيد: تعقيد أسباب الصراعات
لا... ليس الذنب في رقبة النفط؛ لأنه ظهر ويظهر في مناطق أخرى بامتداد العالم، فلا تعرف حرباً ولا ضرباً بكل سلاح مما شهدناه هنا ونشهده. فالحرب بين روسيا وأوكرانيا لا وجود للنفط فيها باعتباره سبباً مباشراً على الأقل، ولا وجود له بالكيفية نفسها في حرب غزة التي أكملت عامين ونيف طحنت فيهما البشر والحجر، ولا وجود له كذلك في حرب السودان التي تنافس الحرب الروسية - الأوكرانية في طولها، ولا في كل حرب نشبت أو تنشب على هامش هذا «الكوكتيل» من الحروب!
كأن لعنة قد أصابت العالم فلا تنطفئ له حرب، ولا ينام له صراع، ولا يتوقف على أرضه قتال، ولا يخرج من أزمة إلا ليغرق في أزمات، ولا يغادر مشكلة إلا ليسقط في مشكلات، ولا يفارق مأساة إلا ليذهب إلى مآسٍ. هذا المقال يسلط الضوء على هذه الحالة المأساوية التي يعيشها العالم اليوم، حيث يبدو أن السلام أصبح حلماً بعيد المنال في ظل هذه السلسلة المتواصلة من النزاعات.



