صراع السرديات والسلطة في إيران: هل تقف "العمائم" على أعتاب تحوّل تاريخي؟
تعيش إيران اليوم واحدة من أكثر لحظاتها السياسية حساسية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، حيث يكشف تضارب الخطابات داخل البلاد عن صراع عميق على الشرعية والسلطة بين المؤسسة الأمنية الدينية والتيارات البراغماتية، في لحظة قد تمهد لتحول تاريخي في بنية الحكم.
التصريحات المتضاربة وكشف حالة الارتباك
فالتصريحات المتضاربة الصادرة عن مؤسسات دينية وأمنية وسياسية، وآخرها الخطاب المفاجئ لمدير الحوزات الدينية علي رضا أعرافي بشأن التطورات الإقليمية، تكشف عن حالة ارتباك عميقة داخل بنية الحكم. هذا الخطاب، الذي جاء خارج الإطار الدبلوماسي والديني التقليدي، لا يمكن فهمه إلا بوصفه جزءًا من صراع داخلي محتدم على السردية والشرعية والسلطة، في وقت تتعرض فيه الدولة لضغوط داخلية وخارجية غير مسبوقة.
توحيد الجبهة السردية بين الحوزات والمقر الأمني
اللافت أن خطاب أعرافي لم يحمل الطابع الديني، بل جاء بنبرة سياسية حادة تتماهى مع تصريحات قيادات مقر خاتم الأنبياء التصعيدية. هذا التماهي يشير إلى توحيد جبهة سردية بين الحوزات والمقر، وهو تطور بالغ الدلالة، إذ يعكس أن المؤسسة الدينية، التي كانت تاريخيًا أحد مراكز التوازن داخل النظام، أصبحت اليوم جزءًا من أدوات القوة الصلبة التي يوظفها الحرس الثوري في مواجهة تيارات براغماتية داخل الدولة.
وبذلك، تتحول الحوزات من مؤسسة دينية مستقلة نسبيًا إلى امتداد للآلة الأمنية، تُستخدم لتعبئة الداخل وتثبيت رواية رسمية في لحظة تتعرض فيها شرعية النظام لاختبار غير مسبوق.
جذور الصراع التاريخية وتطور النظام
ولا يمكن فصل هذا التحول عن جذور الصراع التي تعود إلى السنوات الأولى بعد الثورة. فحينها، كان الشعب والنخب يأملون بالخروج من المآزق السياسية التي عاشتها البلاد في عهد الشاه، ولعلهم وجدوا في حكم رجال الدين بارقة أمل لمرحلة جديدة. لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا، إذ دخلت البلاد في دائرة ثورية مغلقة فصلتها عن محيطها، وحولتها تدريجيًا إلى ثكنة عسكرية تُدار عبر منظومة أمنية دينية متشابكة.
تمت مصادرة الحريات، واستخدام الدين السياسي لإقصاء الأصوات المختلفة وتصفية الخصوم، وتحوّلت الثورة إلى مشروع تديره مجموعة من القادة الدينيين والثوريين الذين ارتفعت أسهمهم بعد الحرب العراقية الإيرانية، حين اكتسب الحرس الثوري شرعية قتالية وسياسية مكّنته من التمدد داخل مؤسسات الدولة.
تراجع المؤسسات المنتخبة وبروز التيارات البراغماتية
ومع مرور العقود، تراجعت سلطة المؤسسات المنتخبة، بينما توسعت سلطة الأجهزة الأمنية والدينية، ما أدى إلى انغلاق النظام على نفسه وتراجع قدرته على التكيف مع الأزمات الداخلية والخارجية. وفي الظروف الحالية، ومع تراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية، تبرز تيارات براغماتية داخل الدولة تسعى إلى التهدئة والحوار، وربما إعادة تعريف مسار الحكم.
هذا التيار، يضم شخصيات مهمة داخل النظام، ويقدم رؤية مختلفة لمسار الأحداث. وإلى جانبهم، تبرز أصوات من رجال السلطة السابقين، مثل محمد جواد ظريف وحسن روحاني، تحذر من أن البلاد تقف على حافة مرحلة خطرة، وتدعو إلى إصلاحات عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
دور مدير الحوزات أعرافي في ملء الفراغ الديني
وفي هذا السياق، يأتي بروز صوت مدير الحوزات علي رضا أعرافي ليعكس بعدًا آخر للصراع. فغياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي عن المشهد العلني خلق فراغًا في الخطاب الديني الرسمي، ما دفع الحرس الثوري إلى البحث عن صوت قادر على مخاطبة الداخل بسلطة دينية معترف بها، خاصة أن أعرافي كان من المقربين للمرشد السابق علي خامنئي، ولطالما انسجمت مواقفه مع التوجهات السياسية للمؤسسة الدينية الأمنية.
هذا يجعله خيارًا مناسبًا لملء الفراغ، كما أن ظهوره المفاجئ قد يرتبط بحسابات أعمق تتعلق بمستقبل موقع القيادة في حال حدوث تطورات غير متوقعة، ما يضع الحوزات في قلب لعبة السلطة، لا بوصفها مؤسسة دينية فحسب، بل كفاعل محتمل في معادلة المستقبل.
الخطاب الدولي وزعزعة بنية الحرس الثوري
ويبدو أن ما يقلق بعض رجال الدين اليوم هو الحديث المتزايد في الخطاب الدولي عن إمكانية ظهور نظام إيراني أكثر عقلانية وقدرة على الحوار وإدارة العلاقات الخارجية، وهو ما يضع البلاد أمام عتبة مرحلة جديدة تتشكل بهدوء وبعمق. وبالرغم من أن الحرس الثوري ما زال قابضًا على مفاصل الحكم عبر القوة الصلبة والأجهزة الأمنية والباسيج، فإن الحرب الأخيرة وما رافقها من خسائر في صفوف قياداته العسكرية، خصوصًا أولئك الذين أداروا صفقات سياسية مع رجال الدين، ساهمت في زعزعة بنيته الداخلية.
هذا الاضطراب قد يتيح المجال أمام التيارات الأخرى للتحرك لسحب مفاصل القوة، خاصة في ظل الانهيار الجاري.
السردية الإعلامية كساحة مواجهة موازية
وفي خضم هذا الاحتدام، تتحول السردية الإعلامية إلى ساحة مواجهة موازية للصراع السياسي. فالحرس الثوري يسعى لفرض رواية تعبئة وطنية، بينما يحاول البراغماتيون تقديم خطاب عقلاني قد يهيئ الرأي العام لمرحلة انتقالية. تعدد الأصوات وتناقض الرسائل يكشفان أن النظام يواجه أزمة شرعية داخلية، وأن السيطرة على السردية أصبحت جزءًا من الصراع على مستقبل الدولة.
سيناريوهات المستقبل وإيران عند مفترق طرق تاريخي
وتتراوح السيناريوهات بين استمرار القبضة الأمنية للحرس الثوري، بما يحمله ذلك من مخاطر تفاقم الأزمات، وبين إمكانية صعود البراغماتيين عبر تسوية داخلية تفرضها الضرورات الاقتصادية والسياسية، أو دخول البلاد في مرحلة إعادة تشكيل أعمق لبنية الحكم إذا استمرت الضغوط الداخلية والخارجية.
وفي كل الأحوال، تبدو إيران عند مفترق طرق تاريخي، حيث لم يعد الصراع مجرد تنافس بين إصلاحيين ومحافظين، بل مواجهة بين دولة أمنية ثورية تسعى للحفاظ على نموذجها التاريخي، ودولة براغماتية تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه في لحظة مفصلية.
إنَّ توحيد السردية بين الحوزات ومقر خاتم الأنبياء ليس علامة قوة بقدر ما هو مؤشر على أن الحرس الثوري بات يستخدم كل أدوات الدولة، بما فيها المؤسسة الدينية، لمواجهة خصومه داخل النظام. ومع استمرار الضغوط الداخلية والخارجية، تبدو إيران مقبلة على مرحلة قد تحمل تحولات عميقة، حيث سيكون الزمن والتحولات الداخلية هما العاملين الحاسمين في تحديد مستقبل الجمهورية.



