واشنطن تفضّل إدارة الصراع الدائم مع إيران: لا حرب شاملة ولا سلام نهائي
كشف تحليل سياسي متعمق أن فشل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ليس مجرد نتيجة لخلافات عابرة، بل هو جزء من استراتيجية مقصودة تهدف إلى إدارة صراع دائم لا يراد له أن ينتهي. فبدلاً من السعي لتسوية شاملة، تفضل واشنطن حالة من "لا حرب ولا سلام"، حيث يبقى التوتر تحت السيطرة دون انفجار كبير، مما يخدم حسابات الطرفين على حساب استقرار الشرق الأوسط.
المفاوضات كمسرح للصراع المستمر
لم يكن فشل المحادثات الأميركية الإيرانية مفاجئًا للمحللين الذين يفهمون طبيعة اللعبة من جذورها. من البداية، لم تكن هناك نية حقيقية للوصول إلى اتفاق شامل، بل كانت المفاوضات مجرد أداة مرنة لإطالة أمد الصراع وإدارته بذكاء. كل الحديث عن "فرص ضائعة" أو "مفاوضات فاشلة" يبسط واقعًا أكثر قسوة: لا أحد من الطرفين يريد إغلاق الملف بشكل نهائي كما يُعلن في الخطابات الرسمية.
المفاوضات هنا تشبه استراحة محارب لكلا الجانبين، حيث تُستخدم لعبة المد والجزر للحفاظ على حالة ضغط دائمة. الولايات المتحدة لا تسعى لتسوية تعيد ترتيب الشرق الأوسط، بل تريد خصمًا مرهقًا – ليس مهزومًا ولا منتصرًا – يمكن التحكم فيه. بالمقابل، إيران تدخل الطاولة ليس بحثًا عن تنازلات تقنية، بل لتثبيت معادلة الاعتراف بها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، مما يفجر أي وهم باتفاق شامل.
إدارة الصراع بلا اسم رسمي
المشكلة أن الكثير من التحليلات ما زالت تتعامل مع طاولة المفاوضات وكأنها مركز القرار، بينما الحقيقة أنها مجرد مسرح سياسي. القرار الحقيقي يُكتب في أماكن أخرى تمامًا:
- في قواعد الاشتباك غير المعلنة بين الطرفين.
- في التحركات العسكرية المحدودة التي ترسل رسائل دون تصعيد كبير.
- في إعادة توزيع النفوذ عبر وكلاء إقليميين.
- في الاقتصاد الذي يُستخدم كسلاح يومي عبر العقوبات والحصار.
ما يحدث فعليًا لا يُحسب حتى ضمن مفهوم التفاوض التقليدي، بل هو إدارة صراع بلا اسم رسمي. لا أحد يريد حربًا شاملة لأنها مكلفة وخارجة عن السيطرة، ولا أحد يريد سلامًا حقيقيًا لأنه يعني خسارة أوراق القوة الأساسية. لذلك، تم اختراع منطقة وسط قاتلة: استنزاف مستمر دون حرب أو سلام.
أدلة على استراتيجية الإدارة المقصودة
الدليل الأبرز على هذه الاستراتيجية هو سلسلة الاغتيالات التي نفذتها الولايات المتحدة ضد شخصيات إيرانية بارزة، مثل:
- علي خامنئي: المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية.
- عزيز نصير زاده: وزير الدفاع الإيراني.
- محمد باكبور: قائد الحرس الثوري الإيراني.
- علي شمخاني: الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للأمن القومي.
مع كل تلك الضربات، ما زالت واشنطن تجلس على طاولة المفاوضات، قادرة على تصعيد الأمور في ثوانٍ، مما يعني استنزافًا مع بقاء الدولة الإيرانية ضمن مواصفات أميركية. واشنطن تضغط وتراقب وتستنزف، بينما طهران تمتص الضغط وتعيد تدوير نتائجه في نفوذ إقليمي متشعب. النتيجة ليست تراجع أحد الطرفين، بل إعادة تشكيل شكل الصراع نفسه.
العقوبات كبيئة دائمة وليست أزمة عابرة
العقوبات على إيران لم تعد أزمة قابلة للحل السريع، بل تحولت إلى بيئة دائمة خدمت نظام الملالي بطرق غير متوقعة:
- داخليًا: تم توظيفها لتثبيت السلطة عبر خطاب "العدو الخارجي" الذي يوحد الصفوف.
- اقتصاديًا: نشأت منظومة موازية خارج النظام الطبيعي، تشمل التفافًا وتهريبًا وأسواق ظل، مما خلق اقتصادًا يتعايش مع الحصار ويستفيد منه أحيانًا.
- خارجيًا: لم تنتج العزلة عزلة فعلية، بل أعادت توزيع النفوذ في ساحات مثل العراق ولبنان واليمن، حيث تصل الأموال والعتاد الإيراني رغم كل الضغوط.
هنا تكمن المفارقة: كلما زاد الضغط، لم تتوقف الحركة الإيرانية، بل تغير شكلها فقط. مع غياب أي اتفاق حقيقي، يصبح "الفشل" نفسه هو الحالة الطبيعية – لا حرب شاملة لأن كلفتها جنونية، ولا سلام لأن شروطه غير موجودة، ولا تسوية لأن أي تسوية تعني إعادة توزيع جذري للقوة.
المنطقة تدفع الثمن الحقيقي
الأخطر في هذا الصراع المُدار أن الطرف الذي يدفع الثمن الحقيقي ليس واشنطن ولا طهران، بل الإقليم بأكمله. دول تُدار حياتها على إيقاع التوتر الدائم، واقتصادات تتحرك داخل هامش الخوف، وشعوب تتحمل نتائج صراع لم تُدعَ حتى إلى طاولته. في النهاية، لا يوجد فشل تفاوضي بالمعنى التقليدي، بل هناك إدارة واعية لصراع لا يريد أحد إنهاءه بالشكل الذي يطلبه الطرف الآخر.
واشنطن لا تريد إغلاق الملف لأنها ستخسر أدوات ضغط مهمة، وطهران لا تقبل إغلاقه لأنها ستخسر موقعها الذي بنته تحت النار. بين الاثنين، تُدار المنطقة كمساحة تشغيل مفتوحة لصراع دائم. النتيجة النهائية بسيطة ومخيفة في آن واحد: ليس الهدف إنهاء الصراع، بل التأكد من أنه لا يخرج عن السيطرة. وهكذا يتحول الفشل من خبر سياسي عابر إلى حقيقة ثابتة – صراع مستمر بلا نهاية، لأن نهايته ببساطة غير مطلوبة من أي طرف يملك القدرة على إنهائه.



