يكشف بقاء نهج الإقصاء بعد 2003 أن سقوط الدكتاتور لم يكن كافيًا لإنهاء الدكتاتورية بصيغها الجديدة في العراق. لم يكن سقوط نظام الرئيس صدام حسين في التاسع من نيسان (أبريل) 2003 نهايةً فعليةً للدكتاتورية في العراق، بقدر ما كان انهيارًا لشخص النظام ورموزه الأكثر فجاجة، فيما بقيت في العمق ذهنيةُ الإقصاء والغلبة ومصادرة الدولة لصالح فئةٍ أو حزبٍ أو جماعة.
إعادة إنتاج الاستبداد بأدوات جديدة
ما جرى بعد ذلك لم يؤسس، كما كان مأمولًا، لدولة مواطنة حديثة تنقض إرث الاستبداد، بل فتح الباب أمام نظامٍ جديد أعاد إنتاج كثير من أمراض الماضي، لكن بأدوات مختلفة وشعارات مغايرة. فالدكتاتورية القديمة كانت صريحةً وعارية، تتكئ على الحزب الواحد والأجهزة الأمنية والقائد المؤلَّه، أما الدكتاتورية الجديدة، فهي أكثر دهاءً؛ تتزيّن أحيانًا بعباءة الديمقراطية، وتستند إلى انتخابات وصناديق اقتراع، لكنها في الجوهر تُدار بمنطق الغلبة العددية، لا بمنطق الشراكة الوطنية.
تحول الديمقراطية إلى أداة احتكار
وهنا مكمن الخطر: حين تتحول الديمقراطية من وسيلة لتنظيم التعدد إلى أداة لاحتكار القرار، وحين يُستثمر الشد الطائفي والقبلي، وتُستدعى الفتاوى الدينية، ويُسخَّر المال السياسي لشراء الأصوات، تصبح الانتخابات نفسها جزءًا من الأزمة بدل أن تكون طريقًا إلى الحل. لقد أفضى هذا المسار إلى طبقة سياسية نجحت في الإمساك بمفاصل الدولة، لا لتبنيها، بل لتتقاسمها، فالفساد لم يعد انحرافًا جانبيًا، بل صار بنية حكم، تبتلع الموارد، وتعطل الكفاءة، وتكافئ الولاء على حساب الخبرة والنزاهة.
انهيار الاقتصاد وعسكرة المجتمع
في ظل هذا الخراب الإداري، تراجعت الصناعة الوطنية، وتآكلت الزراعة، وغرقت الأسواق في سيلٍ من الاستيراد المفتوح من دول الجوار، حتى بدا العراق، بكل ما يملكه من ثروات بشرية وطبيعية، عاجزًا عن إطعام نفسه أو تشغيل أبنائه أو حماية منتجه. ومن قلب هذا الاختلال خرجت ظاهرة أشد خطورة: عسكرة المجتمع، فحين تضيق فرص العمل، ويُخنق الاقتصاد المنتج، وتفشل الدولة في خلق أفقٍ كريم للشباب، يصبح السلاح ملاذًا، وتغدو الميليشيات بابًا للراتب والنفوذ والهوية والحماية.
وهكذا لم تعد المجموعات المسلحة مجرد أدوات أمنية أو امتدادات إقليمية، بل تحولت، في نظر كثيرين، إلى بديلٍ مشوه عن الدولة وعن السوق وعن المستقبل. وهذه من أفدح نتائج ما بعد 2003: انتقال أعداد واسعة من الشباب من انتظار الوظيفة إلى الارتهان لبنيةٍ مسلحة تتغذى من البطالة، وتعيش على هشاشة الدولة، وتكرس منطق القوة على حساب القانون.
تراجع الهوية الوطنية لصالح الانتماءات الفرعية
لم يقف التدهور عند هذا الحد، بل ترافق مع تراجعٍ واضح أمام النظامين الطائفي والعشائري. فبدل أن يتقدم العراق نحو دولة المؤسسات، تمددت الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، وصار الانتماء الطائفي أو العشائري، في كثير من الأحيان، أسبق من الدستور والقانون والكفاءة. وهكذا تراجعت فكرة المواطن، وصعدت صورة التابع: تابع الطائفة، أو العشيرة، أو الحزب، أو الفصيل.
القضية الكردية وذهنية الهيمنة
أما القضية الكردية، فقد كشفت بوضوح أن النظام الجديد لم يتحرر تمامًا من ذهنية الأنظمة السابقة. صحيح أن الخطاب تغيّر، لكن الممارسة كثيرًا ما ظلت أسيرة عقلية الشك والعقاب والهيمنة. فمن اجتياح المناطق المتنازع عليها، إلى فرض الضغوط المالية والحصار على الإقليم، إلى قطع أو تعطيل رواتب موظفيه، وصولًا إلى التعتيم على استهدافه بمئات الطائرات المفخخة والصواريخ التي طالت مؤسساته النفطية والسياحية ومطاراته وبيوت مواطنيه، بدا واضحًا أن الشراكة العراقية ما تزال، في لحظات الاختبار، مهددة بثقافة الغلبة نفسها التي لم تُحسم تاريخيًا.
الخلاصة: نهج الإقصاء لم يسقط
لهذا لا تكمن مأساة العراق في أن الدكتاتور سقط، بل في أن نهج الإقصاء لم يسقط معه. تبدلت الوجوه، وتغيرت الأدوات، لكن الدولة ما تزال تُدار، في لحظات كثيرة، بعقلية من يرى الحكم تفويضًا بالاستئثار، لا تكليفًا بالشراكة. وما لم يخرج العراق من هذه الحلقة، ويؤسس فعلًا لدولة قانون ومواطنة وعدالة وتوازن، فإن سقوط الفرد سيبقى حدثًا ناقصًا، لأن النهج الذي أنتجه ما يزال يجد من يرثه ويطوره ويمنحه شرعيةً جديدة.



