التجسس على الجيران من النوافذ: عادة محرمة تنتهك الخصوصية
التجسس على الجيران من النوافذ: عادة محرمة

قبل فترة مضت، كنت أقطن في أحد الأحياء الهادئة التي تبعث في النفس الطمأنينة، فلا تسمع فيها إلا أصوات الأطفال في ساعات النهار، أو وقع خطوات العائدين إلى بيوتهم مع غروب الشمس. غير أن ذلك الهدوء لم يخلُ من منغص خفي، كان مصدره جارة اعتادت أن تجعل من حياة الآخرين شاغلها الأول.

كانت تسكن في منزل مجاور في الطابق العلوي، ويطل منزلها على الحي بأكمله. وقد لفت انتباهي منذ الأيام الأولى كثرة النوافذ التي تحيط بمنزلها من كل الجهات، حتى بدا لي الأمر غريبًا. لكن الأيام كشفت أن تلك النوافذ لم تكن مجرد منافذ للهواء والضوء، بل كانت عيونًا ترصد كل حركة، وتتابع كل داخل وخارج، حتى غدت صاحبتها تعرف عن الجيران ما قد لا يعرفه بعضهم عن بعض.

لقاء في مجلس اجتماعي يكشف حقيقة التطفل

لم تكن تربطني بها معرفة، إلى أن شاء الله أن ألتقيها ذات يوم في مجلس إحدى الجارات التي أصرت على دعوتي إلى مناسبة اجتماعية. ولأنني قليلة الحضور لمثل تلك المجالس، اعتذرت في البداية، لكن إلحاحها حملني على القبول، ويا ليتني لم أفعل.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

ما إن جلست حتى بدأت تلك الجارة حديثًا لم ينقطع طوال المجلس. لم تتحدث عن علم نافع، ولا عن تجربة ملهمة، ولا عن ذكر حسن، وإنما جعلت لسانها يجوب بيوت الحي بيتًا بيتًا وأسرةً أسرة. قالت: "في منزل فلان مريض، فقد رأيتهم في ساعة متأخرة من الليل يخرجون به إلى المستشفى." ثم انتقلت إلى بيت آخر: "أما جارتنا فلانة، فقد أقامت بالأمس وليمة كبيرة، فقد رأيت كثرة الضيوف يدخلون منزلها." ثم أردفت: "وجارتنا الأخرى خرجت مع أحد أبنائها منذ الصباح الباكر، وأظنها ذهبت إلى السوق، فقد عادت محملة بأغراض كثيرة."

وهكذا ظل حديثها يتنقل بين البيوت كما تتنقل الريح بين الأغصان، تجمع الأخبار وتنسج الظنون وتقدمها على أنها حقائق لا تقبل الشك. لم تترك بيتًا إلا طرقته بحديثها، ولا أسرة إلا جعلتها مادة للكلام، مانحة نفسها حق التتبع والمراقبة دون وازع من ضمير أو حياء.

تساؤلات حول دوافع التطفل وأضراره

حينها تساءلت في دهشة: ما الذي يدفع بعض البشر إلى الانشغال بحياة الآخرين؟ ولماذا يرهقون أنفسهم بتتبع التفاصيل التي لا تعنيهم؟ أليس الأولى أن ينشغل الإنسان بإصلاح نفسه، وأن يجعل من وقته وسيلة لما ينفعه في دنياه وآخرته، بدل أن يضيعه في مراقبة الناس وإحصاء حركاتهم وسكناتهم؟

إن الفضول إذا تجاوز حدوده تحول إلى تطفل، والتطلع إلى أخبار الآخرين إذا اقترن بنقلها صار غيبة محرمة، قد يجر صاحبه إلى الظلم وسوء الظن وإشاعة ما يكره الناس أن يُذكر عنهم. وما أجمل أن يتأدب المرء بأخلاق الإسلام التي تدعو إلى ستر الناس وحفظ خصوصياتهم واجتناب التجسس وتتبع العورات، فقد قال الله تعالى: ﴿ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾، وهي آية عظيمة ترسم للمؤمن حدود تعامله مع الآخرين، وتحفظ للمجتمع أمنه وطمأنينته.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

النوافذ للضوء والهواء لا للتجسس

إن البيوت خلقت لتكون ستورًا لأهلها، والنوافذ شرعت لتدخل منها أشعة الشمس ونسمات الهواء، لا لتتحول إلى مراصد تتبع حياة الناس. وما أسعد الإنسان حين يجعل عينيه تنظران إلى عيوبه قبل عيوب غيره، ويجعل لسانه عامرًا بالكلمة الطيبة بدل الخوض فيما لا يعنيه.

فما أكثر النوافذ التي تفتح على الطرقات، وما أقل القلوب التي تغض أبصارها عن أسرار الناس. والفرق بينهما هو فرق الأخلاق، فالعين قد ترى، لكن النفس الكريمة هي التي تختار ألا تجعل مما تراه حديثًا يُروى، أو سرًا يُفشى، أو حياةً خاصة تُنتهك.