جدل دستوري في مصر حول تصنيف المخدرات المخلقة وتأثيره على العقوبات الجنائية
أثار حكم صادر عن المحكمة الدستورية العليا في مصر، في السادس من فبراير/شباط 2026، جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والاجتماعية، بعدما قضى بعدم دستورية قرار لهيئة الدواء المصرية الذي شدّد تصنيف عدد من المواد، بما فيها الميثامفيتامين، ضمن أخطر جداول المخدرات. وكان هذا القرار، الصادر عام 2023، قد نقل هذه المواد من القسم الثاني إلى القسم الأول (ب) من جداول المواد المخدرة الملحقة بالقانون رقم 182 لسنة 1960، مما أدى إلى تغليظ عقوبات الحيازة والتعاطي، حيث وصلت في بعض الحالات إلى السجن المشدد لمدد طويلة تصل إلى 25 عاماً، بل والسجن المؤبد في ظروف مشددة.
خلفية القرار وتفاصيل الجدل القانوني
تأسست هيئة الدواء المصرية عام 2019 كهيئة عامة خدمية تتبع رئيس مجلس الوزراء، بهدف تنظيم قطاع الدواء وضمان جودة وفعالية وأمان المستحضرات الطبية. وفي إطار صلاحياتها، أصدرت عام 2023 قراراً بنقل عدد من المواد التي يمكن إساءة استخدامها في تصنيع ما يُعرف بـالمخدرات المخلّقة، مثل الميثامفيتامين، إلى جدول المواد الأشد خطورة، مبررة ذلك بتزايد انتشارها وخطورتها الصحية والاجتماعية. ومع ذلك، قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية هذا القرار، استناداً إلى أن صلاحية تعديل جداول المواد المخدرة مُسندة حصراً إلى وزير الصحة وفق قانون مكافحة المخدرات، مؤكدة أن تجاوز حدود التفويض يُعد مخالفة دستورية.
التحرك الحكومي وإعادة التصنيف
رداً على حكم المحكمة، أصدر وزير الصحة المصري في 17 فبراير/شباط 2026 قراراً أعاد بموجبه إدراج الميثامفيتامين ومركبات أخرى ضمن القسم الأول (ب)، وهو التصنيف ذاته الذي كان مطبقاً بقرار هيئة الدواء. وأوضح حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، أن حكم المحكمة يتعلق بتحديد الجهة المختصة قانوناً بإصدار قرار تعديل الجداول، ولم يتناول خطورة المواد أو مبدأ إعادة تصنيفها. هذا القرار الحكومي الجديد يسري من تاريخ صدوره، ولا يطبق بأثر رجعي، مما يعني أن القضايا الجديدة ستخضع للعقوبات المشددة، بينما تظل الجرائم السابقة تحت الأحكام السابقة.
تأثير الحكم على الأحكام السابقة والاستفسارات القانونية
أثار الحكم تساؤلات بشأن إمكان إعادة النظر في بعض الأحكام السابقة، استناداً إلى مبدأ القانون الأصلح للمتهم في القانون الجنائي. ويرى خبراء قانونيون، مثل الصحفي المختص بالشؤون القضائية محمد بصل، أن قرار وزير الصحة لا يطبق بأثر رجعي، وبالتالي لا يستفيد منه المدانون سابقاً. كما أكدوا أن جرائم الجلب والاتجار والتصنيع لا تتأثر عملياً بتغيير ترتيب المادة في الجداول، إذ إن العقوبات المقررة لها تظل جسيمة وقد تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام، بحسب ظروف كل قضية.
خطورة المخدرات المخلقة وتأثيراتها الصحية
يُستخدم مصطلح المخدرات المخلّقة للإشارة إلى مواد تُصنَّع كيميائياً في معامل سرية، وغالباً ما تكون مشتقات صناعية لمركبات منبهة أو مؤثرة عقلياً. ويُعد الميثامفيتامين من أبرز هذه المواد، حيث يحفز إفراز كميات كبيرة من الدوبامين في الدماغ، مما يسبب شعوراً بالنشوة والطاقة، لكنه يؤدي إلى اعتماد نفسي وجسدي سريع، واضطرابات ذهنية، ومشكلات قلبية وعصبية خطيرة. وتصنّف منظمة الصحة العالمية ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الميثامفيتامين ضمن أخطر المواد المنبهة، نظراً لطول مدة تأثيره وارتفاع معدلات الانتكاس.
ويقول محمد رضا، الطبيب المتخصص في علاج الإدمان، إن هذه المواد تؤثر مباشرة على الجهاز العصبي المركزي، وتسبب أضراراً جسدية تشمل مشكلات القلب وفقدان الوزن وتدهور الأسنان. وعلى المستوى العالمي، يشير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن المنشطات الأمفيتامينية، وعلى رأسها الميثامفيتامين، من أكثر فئات المخدرات الاصطناعية انتشاراً. وفي مصر، تُظهر بيانات الصندوق الوطني لمكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي ارتفاع نسبة تعاطي المواد التخليقية، حيث ارتفعت من أقل من 8 في المئة عام 2020 إلى نحو 40 في المئة من إجمالي المواد المتعاطاة بين الحالات التي تلقت العلاج في عام 2025.
الخلاصة والتوقعات المستقبلية
باختصار، يسلط هذا الجدل الدستوري الضوء على التحديات القانونية في مكافحة المخدرات المخلقة في مصر، مع التأكيد على أهمية الالتزام بالشرعية في إصدار القرارات التي تترتب عليها عقوبات جنائية. بينما يستمر النقاش حول تأثيرات هذه المواد الخطيرة، يبقى التركيز على ضرورة تعزيز الجهود الوقائية والعلاجية للحد من انتشارها، في ظل تزايد أعداد المتعاطين وفقاً للإحصائيات المحلية والدولية.



