تنتشر في العديد من المجتمعات العربية فكرة مغلوطة مفادها أن الإشارة إلى مواطن الخلل والقصور تُعد كرهاً أو هجوماً على الوطن، وليست انتقاداً لإدارته. وتعتبر هذه النظرة أن النقد البناء يهدف إلى تدمير البلد لا إصلاحه.
الوطنية الزائفة في الكويت
للأسف، وجدت هذه الحالة من الوطنية الزائفة طريقها إلى الكويت، حيث يحاول البعض، بحسن نية أو بسوئها، ترويج فكرة أن الانتقاد أو حتى الإشارة إلى السياسات العامة والمؤشرات الاقتصادية أو الأوضاع الخدمية هو نتيجة عداء للكويت، وليس محاولة لمعالجة مشكلة أولى خطواتها الاعتراف بوجودها.
الفرق بين الوطنية العاطفية والعقلانية
أتفهم أن الأوضاع الإقليمية المعقدة وما صاحبها من اعتداءات إيرانية غاشمة على الكويت وبقية دول الخليج قد ساهمت في رفع الروح الوطنية في المجتمع. إلا أن هذه الروح لا يجب أن تكون عاطفية بلا عقل. حب الوطن لا يعني السكوت عن الخطأ، بل يتطلب شجاعة الإشارة إلى السلبيات تماماً مثل الإيجابيات، خصوصاً عندما تُدعَم بالأرقام والنسب والمؤشرات والبيانات.
النقد البناء ضرورة للإصلاح
في الكويت، ولله الحمد، نعيش حياة آمنة ومريحة مقارنة بمعظم دول العالم، لكنها بالتأكيد ليست مستدامة وعرضة لتحديات جيوسياسية واقتصادية، بعضها نستطيع التحكم فيه وبعضها الآخر خارج عن سيطرتنا. في كل الأحوال، النقد المصحوب بالنصح وعرض المقترحات والحلول المتاحة هو ما يرفع من جودة الإدارة العامة وتنبؤاتها وسياساتها في معالجة أي مشكلة أو أزمة.
مجالات تحتاج إلى نقد بناء
- تداعيات الحرب الإقليمية على اقتصاد الكويت وماليتها العامة واحتياجاتها اللوجستية من غذاء ودواء
- تقييم أوضاع صندوقها السيادي أو فاعلية المشاريع المليارية
- الشوارع والطرق التي مضى على بدء العمل بها نحو عام ونصف العام دون إحداث تغيير جوهري في إصلاحها
الكويت ليست من جمهوريات الخوف
الكويت كما نعرفها دائماً ليست من جمهوريات الخوف التي تضيق بالنقد أو بالإشارة إلى الخطأ، فذلك هو العين الفاحصة والرأي الخارجي المستقل. بل إن الخطاب الحكومي يشير في مناسبات عديدة إلى قصور أو تراجع في الجهاز التنفيذي.
مدّعو الوطنية الزائفة، خصوصاً سيئي النية منهم، لا يشفي أحقادهم إلا قوانين جمهوريات الخوف، كالتي كانت تضعها أنظمة البعث في سورية والعراق كتهمة "إضعاف روح الشعب المعنوية" المطاطة، التي ترمي ضحاياها في غياهب السجون سنوات وعقوداً. لكن الكويت، وهذه واحدة من أبرز مزاياها، ليست من جمهوريات الخوف.



