مفهوم الدولة القومية واحتكار القوة
من أهم عناصر الدولة القومية الحديثة وجود حكومة وطنية تمثل وتمارس السيادة الوطنية، والأهم: احتكار القوة المادية القاهرة والجبرية، مع توفر الإرادة السياسية الصارمة لإمضائها. هذه القوة المادية الجبرية القاهرة ليست فقط ضرورية وحاسمة لإنفاذ القانون وحفظ الأمن، لكن الأهم: تمثيل السيادة الوطنية، التي دونها تفقد الدولة أهم خصائصها، بل الأخطر انهيار الدولة وزوالها.
الدولة لا تفرط في احتكارها للقوة الجبرية المادية، وتبقي على احتفاظها بالسيادة، داخلياً وأمام المجتمع الدولي على مسرح السياسة الدولية. عندما تهتز قبضة الدولة في قدرتها على الاحتفاظ باحتكارها القوة الجبرية المادية القاهرة، وظهر هناك من يتحدى الدولة محلياً في فرضية وواقع احتكار القوة المادية والجبرية القاهرة في المجتمع، تتفاعل إرهاصات ضعف الدولة، وقد يتطور الأمر إلى نشوب حرب أهلية، إيذاناً بزوال الدولة.
مظاهر تحدي احتكار القوة
من أهم بوادر ومظاهر التغيير الجذري (العنيف) للنظام السياسي، ظهور جماعات سياسية تتحدى احتكار القوة في المجتمع، وتحول دون الحكومة وممارسة أهم وظائفها المتمثلة في حفظ الأمن، والذود عن سيادة الدولة. في التاريخ الحديث، وصل هتلر لحكم ألمانيا، عن طريق مليشيات الحزب النازي (أصحاب القمصان البنية)، التي أظهرت علناً تحديها لسلطة الدولة، دون ما حاجة للصدام المباشر مع سلطة الدولة في الشارع. سبق هتلر في هذا الأمر موسوليني في إيطاليا (أصحاب القمصان السوداء).
في العالم العربي، كانت محاولة الاستيلاء على السلطة وتغيير النظام السياسي القائم، وتحوّل تنظيمات الجنجويد في السودان إلى مليشيات مسلحة شبه نظامية، أوجدها النظام السياسي لحمايته وضمان بقائه في السلطة، إلى منافس حقيقي لاحتكار الدولة للقوة الجبرية القاهرة وتمثيلها للسيادة الوطنية، وكان أن دخل السودان في حرب أهلية، ما زلت مندلعة، منذ أكتوبر 2022 لليوم، بعد محاولة قوات الجنجويد، الاستيلاء على السلطة، بتجريد جيش الدولة وقوى الأمن الوطني من احتكارها للقوة.
حزب الله وتحدي الدولة اللبنانية
الوضع نفسه نجده يتفاعل في لبنان، هذه الأيام، بصورة أكثر تعقيداً، بمحاولة حزب الله، تحدي سلطة الدولة الرسمية، وتجرؤه على سيادة الدولة عن طريق القيام بمهمة وظيفية، تحت غطاء طائفي، خدمة لأطراف إقليمية لها أجندات توسعية، لفرض هيمنة إقليمية على المنطقة. ما يحدث في لبنان من تزايد في نفوذ حزب الله، بدعوى مقاومة الاحتلال (الإسرائيلي)، ليس بالضرورة في صورة احتلال مباشر للأراضي اللبنانية، بل بصورة أكثر اتساعاً، مقاومة لسياسة التوسع الإسرائيلي في المنطقة.
ما يفعله حزب الله في لبنان هو استخدام شعار سياسي (قومي) نبيل وفضفاض، لخدمة قوى إقليمية، لا تختلف كثيراً في تطلعاتها التوسعية على حساب أراضي العرب، وضرب الأمن القومي العربي في مقتل. ما يجعل ما يقوم به حزب الله في تحدي السلطة الرسمية للدولة، في صورة تحدي احتكار الدولة للقوة المادية الجبرية القاهرة، إن هذا الدور الذي يلعبه حزب الله تذرعاً بمقاومة سياسة التوسع الإسرائيلي في الأراضي العربية وتهديد إسرائيل للأمن القومي العربي، يقابله ضعف الحكومة اللبنانية في مواجهة تحدي حزب الله لسلطة الدولة اللبنانية وتمثيلها للسيادة الوطنية.
مأزق الدولة اللبنانية
الدولة اللبنانية، في حقيقة الأمر واقعة بين مطرقة إسرائيل وسندان حزب الله، فهي: أي الحكومة اللبنانية لا تستطيع الدفاع عن سيادة الدولة وحماية الشعب اللبناني، من الاعتداءات الإسرائيلية العنيفة والمتكررة، وفي الوقت نفسه، لا تستطيع مواجهة تحدي حزب الله، لاحتكار الدولة اللبنانية للقوة المادية الجبرية القاهرة، عن طريق تجريد حزب الله من سلاحه، وواقع فرضه لقوة سياسية موازية في الدولة اللبنانية. حزب الله قد لا يريد أن يستولي على السلطة في لبنان، فهذا أمر تحول دون الطبيعة الطائفية للمجتمع اللبناني، لكن الأخطر أن حزب الله، بينما هو يزعم مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، يعمل جاهداً على تسهيل توسع قوة إقليمية، قد لا تقل خطورة عن إسرائيل، في التوسع في الأراضي العربية وتهديد الأمن القومي العربي.
دروس من السودان ولبنان
ما يحدث في لبنان والسودان من تحدي سلطة الدولة الوطنية وسيادتها، يثبت أن الدولة القومية الحديثة في بعض الدول العربية لم تصل بعد إلى مرحلة النضج السياسي والوعي المجتمعي لتبصر أن الاستقرار السياسي يتطلب وجود سلطة سياسية وطنية تحتكر القوة الجبرية القاهرة، من أجل حفظ الأمن والذود عن السيادة الوطنية. ما يحدث في السودان ولبنان، من تغوّل لتنظيمات غير نظامية، تتجرأ على حق الدولة ممثلة في الحكومة الوطنية، في امتلاك واحتكار القوة المادية الجبرية القاهرة، قد لا يكون مقتصراً على لبنان والسودان. هناك في بعض الدول مظاهر لعدم الاستقرار تستعر تحت الرماد، ما لم يُتعامل معها بكفاءة وفاعلية، يمكن أن تتطوّر لمظاهر خطيرة لعدم الاستقرار، تهدّد نموذج الدولة القومية الحديثة.



