الذكرى الـ250 لتأسيس أمريكا: احتفال على طريقة ترمب
احتفلت الولايات المتحدة الأمريكية بالذكرى الـ250 لتأسيسها يوم 4 يوليو الماضي، وهي ذكرى تحتفل بها سنوياً، لكن في زمن الرئيس دونالد ترمب، زمن الإثارة وغير المعتاد، أراد لأمريكا أن تحتفل على طريقته بإظهار القوة والإرث التاريخي للتأسيس، وكيف كانت وكيف أصبحت.
تجربة فريدة رغم الانتقادات
تحب أمريكا أو تكرهها، تتفق معها أو لا تتفق، تنتقد بعض سياساتها وتمقت بعض تصرفاتها، فلك الحق في ذلك وقد تكون مصيباً، لكن لا يمكن عدم الإقرار بأن التجربة الأمريكية فريدة في تاريخ البشرية، ليس فقط في فكرتها وبداية تكوينها وتطورها، بل بما آلت إليه كأعظم قوة عسكرية واقتصادية في العالم. رغم المنعطفات الخطيرة التي مرت بها، نجت بفضل الفكرة التي تأسست عليها والدستور الذي صانها من القرارات الارتجالية والأهواء الفردية، وضبط العلاقة بين مؤسسات الدولة بشكل صارم.
مسلسل "التجربة الأمريكية" على نتفلكس
قبل أيام، عرض مسلسل قصير على منصة نتفلكس اسمه "التجربة الأمريكية"، يختصر مئات الكتب عن التاريخ الأمريكي، ويستعرض ما حدث في القارة منذ اكتشافها وحقب استعمارها، ثم بزوغ فكرة الاستقلال لثلاث عشرة ولاية على الساحل الشرقي، والمصاعب والحروب والأزمات التي مرت بها في طريق توحيد الولايات حتى أصبحت الكيان السياسي المعروف. المسلسل ليس مدحاً مطلقاً، بل ينتقد الأخطاء قديماً وحديثاً وصولاً إلى مرحلة ترمب، ويناقش الأخطار التي نجت منها بفضل دستورها العبقري والآليات الضامنة لعدم العبث به.
نموذج الحكم وإدارة الموارد
تمكنت الولايات المتحدة من تقديم نموذج للحكم وإدارة الموارد وبناء الاقتصاد وتكوين أسلوب حياة فريد، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية. فكرة الحلم الأمريكي لم تكن أن تذهب إلى أمريكا لتجد حلمك بين يديك، بل قامت على أساس أن كل الفرص متاحة وعليك استثمار طموحك لتحقيقه. هاجرت إليها العقول المبدعة في كل مجال لتجد أفضل الجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث، فحصلت أمريكا على خلاصة الجينات المبدعة من كل أنحاء العالم. وبالمثل هاجرت إليها عصابات ومافيات، لكن الحلم الأمريكي الإيجابي استطاع تثبيط الجانب السلبي، فأصبحت ملامح أمريكا بارزة في وادي السيليكون وناسا وهارفارد وبيركلي وMIT وشركات الذكاء الاصطناعي التي تعيد تشكيل الحضارة الإنسانية.
المشاكل والديناميكية الأمريكية
رغم كل ذلك، أمريكا ليست جنة الله على الأرض. هناك معاناة في حياة كثير من مواطنيها، ومشاكل اجتماعية واقتصادية، واستقطابات سياسية حادة جداً في بعض الأوقات. لكن ميزة أمريكا هي الديناميكية والحيوية في إدارة مشاكلها بواسطة آلياتها القانونية وإمكاناتها الاقتصادية ودستورها الذي يمنع تغول أي سلطة على أخرى. الدستور استلهم حقيقة أن شهوة الكائن البشري للتسلط حقيقية لا يمكن إنكارها، وإذا لم تكن هناك ضمانات لضبطها ستتحول إلى كارثة.



