السعودية لم تتراجع عن لبنان ومكانتها لا تقاس بالضجيج السياسي
السعودية لم تتراجع عن لبنان ومكانتها لا تقاس بالضجيج

في مرحلة دقيقة يمر بها لبنان، حيث تتداخل الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية، تكثر محاولات بعض الطامحين إلى رئاسة الحكومة مستقبلاً أو إلى أدوار سياسية متقدّمة لتسويق روايات تخدم حساباتهم الخاصة أكثر مما تعكس حقيقة المشهد. ومن بين أكثر هذه الروايات تداولاً الادعاء بأن المملكة العربية السعودية قد تراجعت عن دورها في لبنان، وأن دولاً أخرى باتت تملأ هذا الفراغ. غير أن هذه المقاربة تبدو أقرب إلى قراءة انتقائية للوقائع منها إلى توصيف موضوعي للسياسة الإقليمية.

السياسة السعودية: دعم الدولة لا الأشخاص

فالمملكة العربية السعودية لم تعتمد يوماً سياسة الحضور الإعلامي أو تسجيل النقاط السياسية، بل درجت على ربط انخراطها في لبنان بوجود دولة فاعلة، ومؤسسات دستورية قادرة، وشركاء يتمتعون بالنزاهة والكفاءة والقدرة على تنفيذ الإصلاحات. ومن هذا المنطلق، فإن قياس الدور السعودي بعدد اللقاءات أو حجم التصريحات السياسية يفتقد إلى الدقة، لأن السياسة السعودية في السنوات الأخيرة اتجهت نحو دعم استقرار الدول ومؤسساتها، لا نحو الاستثمار في الأشخاص أو المحاور.

المؤشرات الاقتصادية: استمرار الاهتمام السعودي بلبنان

اقتصادياً، لا يمكن تجاهل المؤشرات التي عكست استمرار الاهتمام السعودي بلبنان. إعادة فتح الأسواق أمام المنتجات اللبنانية تمثل فرصة حقيقية للاقتصاد اللبناني، لأنها تعني زيادة الصادرات، وتحريك عجلة الإنتاج، وتأمين فرص عمل، وإدخال العملات الأجنبية إلى البلاد. كما أن أي تقدّم في ملف عودة السيّاح السعوديين ينعكس مباشرة على قطاعات الفنادق والمطاعم والتجارة والخدمات، وهي قطاعات تشكّل ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

معايير ثابتة للدعم السعودي

أما على المستوى السياسي، فقد بدا واضحاً أن المملكة تعتمد معياراً ثابتاً في علاقاتها، يقوم على دعم من يلتزم بالإصلاح وبناء الدولة واحترام المؤسسات. وهذا المعيار لا يمكن تفسيره على أنه انسحاب أو تراجع، بل هو انتقال من سياسة العلاقات الشخصية إلى سياسة الشراكة مع الدولة ومؤسساتها. لذلك، فإن عدم حصول بعض الشخصيات على الدعم الذي كانت تتوقعه لا يعني أن السعودية تراجعت عن لبنان، بل يعني أن معاييرها في منح الدعم أصبحت أكثر وضوحاً وارتباطاً بالمصلحة العامة.

روايات خاطئة لتبرير الإخفاقات الداخلية

من هنا، فإن تصوير المشهد على أنه «تراجع للدور السعودي» قد يكون محاولة لتبرير إخفاقات داخلية أو لتسويق مشاريع سياسية تفتقر إلى التأييد الشعبي أو الثقة الخارجية. فبدلاً من تقديم رؤى إصلاحية واقعية، أو برامج اقتصادية قابلة للتنفيذ، يجري اللجوء إلى روايات إعلامية تُحمّل الخارج مسؤولية الفشل الداخلي، في حين أن جوهر الأزمة اللبنانية يبقى مرتبطاً بغياب الإصلاح، وضعف المؤسسات، واستمرار الانقسامات السياسية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

لبنان يحتاج إلى إصلاحات حقيقية

إن لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزادات سياسية حول من يحظى بدعم هذه الدولة أو تلك، بل يحتاج إلى استعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي من خلال إصلاحات جدية، وقضاء مستقل، وإدارة شفافة، ودولة تحترم القانون. وعندما تتوافر هذه العناصر، يصبح الدعم الخارجي نتيجة طبيعية، وليس ثمرة حملات إعلامية أو محاولات لتسويق الأوهام.

المملكة ليست في مزاد أدوار

في النهاية، إن المملكة العربية السعودية ليست في مزاد أدوار حتى يُقال إن دورها زاد أو انحسر، أو أنها ربحت جولة وخسرت أخرى. مكانة المملكة وثقلها العربي والإقليمي والدولي لا يقاسان بحجم الضجيج السياسي أو بما يروّجه بعض الطامحين إلى السلطة في لبنان. فسياسة الرياض تجاه لبنان تقوم على مبدأ ثابت وواضح: دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، ومساندة كل ما يعزّز الاستقرار والإصلاح وسيادة القانون، بعيداً عن الاستثمار في الأشخاص أو الاصطفافات السياسية. لذلك، فإن الحديث عن تراجع أو تصاعد للدور السعودي وفق حسابات داخلية ضيّقة هو قراءة خاطئة لطبيعة السياسة السعودية، التي لا تغيّرها طموحات هذا السياسي أو ذاك، ولا تحددها مزايدات الإعلام. فهدف المملكة لم يكن يوماً البحث عن نفوذ لمجرد النفوذ، بل الإسهام في قيام دولة لبنانية قوية وقادرة، لأن استقرار لبنان هو المعيار الحقيقي الذي تتحرك على أساسه، سواء ارتفع منسوب حضورها في مرحلة معينة أو انخفض في أخرى.