بعد عام ونصف العام على سقوط نظام الأسد، تتسارع الأحداث في سورية ومحيطها، وتتعقد ملفات العلاقات العابرة للحدود، وتطرح مبادرات من هنا وهناك مرفقة أحياناً مع خرائط طموحة وأرقام كفيلة بنقل البلاد إلى حالة ثراء أو خروج من الفقر المدقع الذي ترافق مع نظام الأسد. ويمكن القول إن الإرث الذي خلّفه الأسد هو الفقر. لكن الشكوك تحيط بإمكانية كسر هذا الإرث في المدى المنظور وفق قراءة في عوامل النهوض المطلوبة.
دخول سورية عام 2026.. نهوض أم جمود؟
دخلت سورية عام 2026 وتبدو كأنها تدخل مرحلة النهوض. التغير الأبرز، وربما الوحيد القابل للقياس، حصل في المجال الأمني، وتحديداً في مسار اندماج الأكراد ومؤسسات شمال شرق البلاد في الدولة السورية. غير أن هذا المسار، على أهميته، ما زال أقرب إلى عملية مفتوحة وتحتاج إلى تسويات حتى تكتمل في الملفات العالقة. فالاندماج العسكري والإداري لا يعني بالضرورة أن العقد الوطني الجديد يكفي لبناء دولة مستقرة.
وضع جيوسياسي لم يتغير جوهرياً
خارج هذا الملف، تبدو سورية في حالة جمود ثقيل. الوضع الجيوسياسي لم يتغير جوهرياً رغم أن حالة الارتباك الإقليمي جراء حرب إيران شكلت فرصة لسورية لإثبات أنها نافذة أمل جديدة. والاقتصاد لم ينتقل من مرحلة الوعود إلى مرحلة جني المكاسب، والاستثمارات لم تجد بعد البيئة التي تسمح لها بالمخاطرة. صحيح أن الأوضاع الأمنية تحسنت في بعض المناطق، كما أصبح الخطاب الإقليمي تجاه دمشق أكثر انفتاحاً، لكن ذلك كله لم يتحول إلى واقع اقتصادي محسوس.
ما زالت البلاد تعيش معضلة الانتقال الاقتصادي، من اقتصاد مغلق ومركزي إلى اقتصاد منفتح وليبرالي من حيث مفهوم الأسواق. لكن القدرة الشرائية للمواطنين السوريين هي العامل الحاسم في نجاح أي تجربة أو مبادرة اقتصادية، وهي قدرة لا يبدو أنها تقلص فجوة المداخيل والمصاريف.
إنتاج الثقة وتقديم الخدمات وضبط القانون
المشكلة الأساسية أن سورية بعد سقوط نظام الأسد ورثت بلداً مثقلاً بأزمات أكبر من قدرة السياسة اليومية على معالجتها. لم تعد المسألة محصورة في إزالة رأس النظام أو إعادة ترتيب الأجهزة والمؤسسات، بل في إعادة بناء دولة فقدت جزءاً كبيراً من وظائفها خلال سنوات الحرب. سورية اليوم أمام تحدي إنتاج الثقة وتقديم الخدمات وضبط القانون، وخلق بيئة يمكن للناس والمستثمرين أن يتعاملوا معها باعتبارها مستقرة وقابلة للتوقع.
حتى عملية الاندماج الخاصة بشمال شرق البلاد والأكراد قدمت مؤشرات مقلقة. فالمظاهرات مستمرة منذ أسابيع، وتزداد حدة، بسبب تردي الخدمات في المدن والبلدات بشكل غير مسبوق، حيث تعيش المناطق الشرقية والشمالية في المجمل حالة من الفراغ المقلق، وحالة من الانفصال النفسي عن الدولة. كل هذه مؤشرات غير مريحة ومثيرة للقلق لتصور الاستقرار على المدى البعيد.
برنامج عمل وطني لتعديل المسار
في الاقتصاد، تظهر الأزمة بأوضح صورها. المصاعب المعيشية تتفاقم، والقدرة الشرائية تتراجع، وفرص العمل لا تزال محدودة، والأسواق تتحرك بإيقاع بطيء لا يشبه توقعات ما بعد التغيير. تتحسّن الطرق، وتتراجع الحواجز، وتهدأ الجبهات لكن الاستثمارات لا تتقدم. رأس المال يحتاج إلى قانون واضح وقضاء موثوق ونظام مصرفي قابل للتعامل. من دون ذلك، يبقى التحسن الأمني مجرد عامل تمهيدي وليس جوهر الاستقرار، ويبدو أن هذه القناعة تحتاج إلى وقت لتصبح برنامج عمل وطني لتعديل المسار.
المفارقة السورية في عام 2026 أن البلاد حصلت على دعم عربي واسع، وعلى قدر كبير من الاعتراف السياسي، وربما على فرصة إقليمية لم تكن متاحة خلال السنوات السابقة، وخطت الدولة السورية خطوة مهمة في معالجة أخطر مشكلة كانت تواجهها وهي الإدارة الذاتية والملف الكردي وقوات سورية الديمقراطية (قسد). لكن هذا الدعم لم يترجم بعد على الأرض. لم يتحول إلى خطة إعادة إعمار واسعة، ولا إلى تدفق استثماري كبير، ولا إلى تبدل حقيقي في حياة السكان.
2026 عام تثبيت الأمن
حتى في الملف الأمني، الذي يبدو الأكثر تقدماً، لا يمكن القول إن المشكلة انتهت. اندماج الأكراد في الدولة خطوة أساسية، لكنها تحمل داخلها أسئلة مؤجلة: ما شكل الإدارة المحلية؟ كيف ستتم إعادة توزيع الصلاحيات؟ ما موقع القوى العسكرية السابقة داخل الجيش؟ وما الضمانات التي ستمنع العودة إلى منطق المركز القديم؟ إذا تمت العملية كإلحاق أمني، فإنها ستنتج هدوءاً مؤقتاً. أما إذا تحولت إلى تسوية سياسية حقيقية، فقد تكون بداية مختلفة لبناء الدولة. لم تعد الحرب هي العنوان الوحيد، لكن السلام لم يتحول بعد إلى اقتصاد. هذه المنطقة الرمادية هي التي تصنع شعور الجمود الحالي، حيث تتحرك السياسة بينما المجتمع عالق في الفقر والغلاء.
ما حدث منذ بداية 2026 هو أن سورية تقدمت أمنياً خطوة، لكنها بقيت اقتصادياً وسياسياً في المكان ذاته تقريباً. المشكلات العالقة منذ سقوط نظام الأسد ما زالت أكبر بكثير من تلك التي تم حلها. وكلما طال هذا الفارق بين التوقعات والواقع، صار خطر الخيبة أكبر. فالسوريون ينتظرون الكهرباء، والدخل، والعمل، والقانون.
الدعم العربي مهم، والانفتاح الدولي مهم، وتسوية الشمال الشرقي مهمة لكن هذه العناصر لا تكفي إذا بقيت منفصلة عن مشروع واضح لإعادة بناء الدولة والاقتصاد. عام 2026 قد يكون عام تثبيت الأمن، لكنه حتى الآن لم يصبح عام التعافي.
تشكيل فضاء سياسي إقليمي حيوي
الأمر الجيد في سورية أنها قطعت شوطاً لا بأس به من الحركة السياسية الخارجية وتشكيل فضاء سياسي إقليمي حيوي وإيجابي بعيداً عن نشر حالة القلق من نظام «ذو صبغة إسلامية» وهذا أمر يستحق التوقف عنده. لكن هل هذا يكفي حتى تكون سورية بلداً يسير بشكل متوازٍ مع الحركة الإقليمية والدولية؟
بالعودة إلى عام 1948، بعد الحرب العالمية الثانية، يمكن القول إن أكبر إنجاز سياسي في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية هو مشروع وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال الذي نقل أوروبا من عالم الدمار إلى عالم الاقتصاد، وكان لهذا المشروع الدور الأكبر في وصول أوروبا إلى هذه الحالة. سورية اليوم تحتاج إلى ذات الفلسفة السياسية، لكن هذه المرة على الطريقة العربية.
كانت 13 مليار دولار كفيلة بإعادة ترتيب أوروبا، وتحولت أوروبا لاحقاً إلى حليف اقتصادي عالمي للولايات المتحدة ومن ثم إلى حليف عسكري في حلف الناتو، وهذا ما تحتاجه سورية في هذه المرحلة الحيوية من تاريخ المنطقة حتى لا تتحول إلى عبء سياسي وأمني واجتماعي، ولعل هذا يمكّن سورية من استعادة الأثر الاقتصادي على المنطقة. أما ترك سورية على هذه الحالة فهو أمر بلا شك يبعث على القلق على المدى القريب.



