لبنان يتطلع إلى العادية: تحديات المفاوضات والصراع الإقليمي في مواجهة الواقع
لبنان والعادية: تحديات المفاوضات والصراع الإقليمي

لبنان والعادية: حلم يتحدى الواقع المعقد

في ظل الأوضاع المتوترة في المنطقة، يبرز حلم لبنان في التحول إلى بلد عادي كهدف استراتيجي، لكن هذا الطموح يواجه عقبات جسيمة تتطلب تحليلاً دقيقاً. فاجتماع واشنطن الأخير، الذي يُعد تمهيداً للمفاوضات، لا يمحو الحقائق الصارخة على الأرض، حيث تظل الفجوة واسعة بين المطالب اللبنانية والإسرائيلية، مع تشابك شروط كل طرف في الآخر.

الفجوة في المفاوضات: تحديات الجلاء وتجريد السلاح

يتركز النقاش اللبناني على قضايا الجلاء ووقف إطلاق النار، بينما يركز الجانب الإسرائيلي على تجريد حزب الله من سلاحه، مما يعكس اختلالاً كاملاً في ميزان القوى. هذا الواقع يجعل الصورة الوردية للمستقبل تبدو تبسيطية ودعائية، حيث تضخم الأماني الذاتية وتعقيدات الأطراف المتعددة. وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام يسلط الضوء على هذا التعقيد، مشيراً إلى محدودية الإنجازات المحتملة والحاجة الملحة للعمل الشجاع بدلاً من الراحة والتراخي.

ليس الأمر انتقالاً من جحيم إلى نعيم، خاصة مع تردد الدولة اللبنانية في أداء واجباتها المتعلقة بحصر السلاح، وكون الولايات المتحدة، كطرف خارجي مؤهل لتحقيق التوازن، لا تملك اللبنانيون أدوات ضغط عليها. ومع ذلك، يبقى اجتماع واشنطن وما قد يليه من تفاوض الخيار الوحيد المتاح للبنان اليوم، في إطار حسابات باردة بعيدة عن العواطف التي قد تدفع البعض إلى التطرف أو الرفض.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تكلفة الصراع: من الوهم إلى البحث عن العادية

رفض مبدأ التسوية، رغم اختلالها بسبب ميزان القوى، لا يعيد الأرض المحتلة ولا يرد السكان النازحين، بل يترك اللبنانيين أسرى الوهم الدموي المكلف المسمى "مقاومة". لبنان، الذي يعاني من الوهن والإنهاك والفقر وتصدع العلاقات الأهلية، لا يملك ترف الانتظار أو تكرار التجارب الفاشلة السابقة. وهو ليس أول بلد عربي يغادر حلبة الصراع مع إسرائيل، طامحاً إلى التحول إلى دولة عادية.

العادية هنا تعني وجود سلطة موحدة تتبع قواعد قابلة للتكهن، حيث تعمل السياسة بشكل روتيني، ولا تهيمن على الحياة أزمات أو اغتيالات أو مخاطر حروب. هذه الرغبة العارمة في العبور إلى ما بعد العنف هي التي جعلت استقبال اجتماع واشنطن مرحباً به، دون انفجار "غضب جماهيري مزلزل" كما تهدد به لغة سياسية رثة.

التأثير الإقليمي: من البطولة إلى المهزلة

دفعت بلدان المنطقة أثماناً باهظة للحروب، لكن لبنان دفع أكثر مما يستطيع نتيجة انتزاع قراره وإلحاقه بقرارات خارجية. لطالما وُضعت أمّة أسطورية في مواجهة دولته الواقعية، مما جعل "أن تكون لبنانياً" يعني العيش في حرب دائمة، وليس كمواطن عادي في بلد عادي. وجود قطب إقليمي كبير يرفض العادية، كما في حالات مصر الناصرية وسوريا الأسدية وإيران الخمينية، أدى إلى جر المنطقة إلى مآسي.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الوعي البطولي الملحمي، الذي انتشر منذ عمليات أكتوبر، يضع المجد هدفاً بدلاً من السعادة، ويتحول إلى مادة هزلية كما في قصة دون كيشوت، حيث يحارب طواحين الهواء ظاناً أنها عمالقة. هذا الانقلاب رأينا مثالاً عليه مؤخراً بإطلاق قذائف في ضاحية بيروت الجنوبية احتفالاً بوثيقة تؤكد حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، بينما تنفي حالة الحرب مع لبنان.

أغلبية اللبنانيين اليوم تطلب العادية بديلاً عن بطولة تكلّف الكثير قبل أن تنقلب إلى كوميديا، راغبة في استعادة بلدها المعذب والمخطوف بقوة السلاح وأفكار البطولة الرثة. الصعوبات لا تُستهان بها، لكن الأمل في التحول يبقى حياً وسط التحديات.