تحليل عميق: المشكلة الحقيقية في التفاوض مع إيران تكمن في طبيعة نظامها الثلاثي
المشكلة في التفاوض مع إيران: تحليل طبيعة النظام الثلاثي

تحليل: المشكلة في التفاوض مع إيران ليست في البنود بل في طبيعة النظام

يعود الحديث عن الإقبال على التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران من جديد في مطلع الأسبوع المقبل، وسط روايتين مختلفتين عمّا جرى في المحادثات الأخيرة بإسلام آباد وأسباب فشلها. الجهات الخارجية، بما في ذلك دول وخبراء، تشير إلى أن الأميركيين أخطأوا في بدء التفاوض بطلب فتح مضيق هرمز، بينما يؤكد الإيرانيون أنهم لن يتنازلوا عن مطلب التخصيب النووي، باعتباره حقاً غير قابل للتفاوض.

الطبيعة الثلاثية للنظام الإيراني

على كل حال، يبدو أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في بنود أو مسائل التفاوض المطروحة، بل في طبيعة النظام الإيراني والوضع الذي يجد نفسه فيه حالياً. النظام الإيراني، بعكس الانطباع السائد عنه ككيان براغماتي، هو مزيج معقد من ثلاثة عناصر أساسية: المذهبية الصلبة، والقومية غير المعلنة، والمطامح الاستراتيجية الكبيرة. هذه العناصر تحولت مع الوقت إلى عقائديات ومصالح وطنية راسخة، تشكل البنية العميقة والمستقرة للنظام.

خلال العقود الثلاثة الماضية، تبيّن للنظام الإيراني أن الإصرار على مطالب محددة من أميركا وإسرائيل والدول العربية يمكن أن يحقق له مكاسب كبيرة. غالباً ما كانت الردود الأمريكية تتسم بسياسات الاحتواء والاستيعاب، مما سمح لإيران بقضم مكاسب تدريجية والمضي قدماً بمطالب جديدة أو اختراقات إضافية. في الأصل، كان التركيز الأساسي للأمريكيين والإسرائيليين منصباً على التخوف من البرنامج النووي الإيراني، مما دفعهم إلى تجاذبات طويلة امتدت لأكثر من عقدين، متجنبين المواجهة المباشرة بسبب صعوبة الحرب.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الخسائر العربية والتغلغل الإقليمي

الخاسرون الظاهرون في هذه المعادلة كانوا العرب، الذين تأثر أمنهم وبلدانهم بشكل كبير. قبل أن يدرك العالم ردود الأفعال، كانت الميليشيات الإرهابية المدعومة من إيران تنتشر في سوريا والعراق، مما جعل بعض القوى الدولية تتعامل مع إيران كحليف في مكافحة تنظيمات مثل «القاعدة» و«داعش». عندما بدأ الراديكاليون في أميركا وإسرائيل يفكرون في المواجهة المباشرة، كان الأوان قد فات، حيث انتشر النفوذ الإيراني في عدة دول عربية.

في المقابل، فشل الإيرانيون في التغلغل في دول مثل أذربيجان وأفغانستان وباكستان بسبب مقاومة هذه الدول، بينما تحطمت أربع دول عربية أمام الضغوط الإيرانية، ومالت دول أخرى لاتقاء الشر بشكل فردي. العوامل الثلاثة المكونة للنظام الإيراني – الديني المذهبي، والقومي، والاستراتيجي – أصبحت ثوابت راسخة، مدعومة بالتدمير الكبير الذي نزل بإيران خلال الحروب المباشرة، مما جعل النظام يعتمد على أوراق ضغط محددة مثل إقفال مضيق هرمز.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

التحديات الحالية والمستقبلية

اليوم، لا يملك النظام الإيراني سوى سلاح إقفال مضيق هرمز كأداة ضغط رئيسية، بينما يتردد بقية أعمدة النظام في التنازل عن أي شيء خوفاً من سقوط النظام. البقاء في السلطة يتطلب الاستماتة في رفع مطالب راديكالية، في حين تفتقر أميركا للإصرار الكافي لمواصلة حرب شاملة. المشترك الوحيد بين أميركا وإسرائيل يظل الملف النووي، وإذا تم الاتفاق على تأجيل التخصيب لعقد أو أكثر، فقد تصبح قضايا أخرى مثل «الأذرع الإيرانية» والبرامج الباليستية قابلة للحل، رغم استمرار عدم رضا إسرائيل.

لا يقصد من هذا التحليل الاستسهال أو الاتهام، بل تسليط الضوء على أن مشكلات المنطقة مع إيران أكثر تعقيداً واستمرارية. على أكتافنا تقع أعباء الميليشيات الإيرانية المصنوعة والمتجذرة في دول مثل العراق ولبنان واليمن، مع أمل بإنقاذ سوريا. بالإضافة إلى ذلك، يبرز هَمّ جديد يتمثل في تهديدات مضيق هرمز، التي استخدمتها إيران بشكل خطير للمرة الأولى، وستستمر في استخدامها كأداة ضغط ضد أمن دول الخليج الناهضة.

الخاتمة: ضرورة الوحدة والقرار الصارم

مع هذا النظام الذي جربناه وجربه العالم، لا عهد ولا سلام ولا أمن ولا اطمئنان. الخوف من القوة المتفوقة موجود تجاه أميركا وإسرائيل، وينبغي أن يكون تجاهنا نحن أيضاً، حيث نتعرض للعدوان بشكل يومي. لم يعد بالإمكان الصبر على حروب الداخل وتفكك الدول، حتى أن ميليشيات العراق صارت تقصف الكويت والبحرين، بينما يتراجع الحزب المسلح في لبنان أمام إسرائيل.

لا بد من الوحدة والقرار الصارم من أجل الصمود وحفظ النفس والأوطان والدولة. وقبل هذا وبعده، لا سلام ولا أمن ولا جوار ولا مستقبل في المنطقة إلا بنهاية السلوك الإيراني الذي يقوده نظام «الحرس الثوري». هذا التحليل يؤكد أن الطريق إلى الاستقرار يتطلب مواجهة جذرية لهذه التحديات المعقدة.