مضيق هرمز وسلامة النظام الدولي: تحولات جيوستراتيجية خطيرة
كيف وصلت الأمور في الصراع الدائر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى التأثير المباشر على تأمين وسلامة مضيق «هرمز» الاستراتيجي في الخليج العربي؟ الإجابة تكمن في حقيقة أن المواجهة العسكرية الساخنة قد أرهقت جميع أطراف هذا الصراع المعقد، وتجاوزت تداعياتها حدود المنطقة لتطال سلاسل الإمداد الحيوية في الاقتصاد العالمي بأسره.
تصعيد المواجهة إلى مستوى النظام العالمي
لقد صعد هذا الصراع إلى مسافة أبعد بكثير من مجرد نزاع إقليمي، حيث أصبح يطال القواعد والأسس التي يقوم عليها النظام العالمي ذاته. وفي هذا السياق، تجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في مواجهة تحدٍ حاسم وغير مسبوق، ليس فقط مع خصومها الخارجيين، بل مع ذاتها وقدراتها الاستراتيجية أيضاً.
هذه المواجهة تشكل perhaps أخطر تحدٍ تواجهه الولايات المتحدة منذ تفردها بسيادة العالم، حيث تضعها في مأزق استراتيجي عميق أمام المجتمع الدولي بأسره.
مواقف الدول الكبرى والمصالح المتشابكة
على الرغم من الخطورة البالغة للموقف، لا تزال دول كبرى منافسة مثل الصين تنأى بنفسها عن الدخول المباشر في الصراع الدائر حول مضيق هرمز، رغم أن مصالحها الاقتصادية تتأثر بشكل قوي ومباشر بسلامة هذا الممر المائي الحيوي. من ناحية أخرى، تبدو إيران مصممة على عدم الخضوع، وتسعى جاهدة لجعل المضيق تحت سيادتها وإدارتها الكاملة.
لقد انتقلنا عملياً من مواجهة إسرائيلية أمريكية ضد إيران إلى توجه استراتيجي أمريكي أوسع يهدف إلى السيطرة والتحكم بسلاسل الإمداد العالمية، من خلال أهم محطة استراتيجية وهي مضيق «هرمز» الذي يخدم:
- الصين بشكل مؤثر وحاسم في تدفق إمداداتها النفطية
- دولاً حليفة للولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية
- دول أوروبية عديدة التي فضلت النأي بنفسها عن المشاركة المباشرة في هذا الصراع
قراءات متعمقة للأحداث وتداعياتها
بعض المراقبين أسرعوا في قراءة التطورات الأخيرة، حيث عدّوا زيارات مسئولين من دول حليفة للولايات المتحدة إلى الصين محاولة للترتيب لنظام عالمي جديد. وبالعودة إلى تصريحات الرئيس الأمريكي مع بداية نشوب الأزمة، والتي تراوحت بين الحديث عن إسقاط النظام الإيراني وضمان سلامة عبور «مضيق هرمز»، نجد أن قراءة الأحداث هذه ليست متسرعة بل معمقة في أبعادها الاستراتيجية.
الولايات المتحدة الأمريكية أوقعت نفسها في مأزق استراتيجي أمام العالم كله، وباتت تواجه معضلة وجودية بمبدأ «نكون أو لا نكون». هذا المأزق قد يكون أخطر حتى من الحروب السابقة التي خاضتها الولايات المتحدة، حيث يضعها في مواجهة مباشرة مع مصالح دول كبرى عديدة.
سيناريوهات مستقبلية وخطيرة
لا يمكن توقع أن يبقى الصراع على المضيق بين أمريكا وإيران محصوراً في حدود الضغط باتجاه المسار السياسي والعودة إلى طاولة المفاوضات. هذا الأمر يحتاج إلى موازين دقيقة وحسابات استراتيجية معقدة في الحراك الدبلوماسي والعسكري، بما لا يصعد بالأمور إلى مواجهة شاملة.
إن الفاصل الوقتي الحالي قصير وهش، وقد تفجره إسرائيل بشكل ما - ربما هروباً من مواجهة نتنياهو للمحاكمة الداخلية - وعندها قد نشهد تدخل دول أخرى، تختلف مواقفها من إيران ولكنها تتفق في تخطئة السياسة الأمريكية. إن حدث ذلك، فإنه سيأخذ العالم إلى مسار تشكيل نظام دولي جديد بالكامل، الأمر الذي قد يستدعي صراعاً أوسع وأكبر بكثير من دول المنطقة، مع تداعيات لا يمكن التنبؤ بمداها وخطورتها على الاستقرار العالمي.



