الهدنة المرتعشة: مفاوضات أميركية إيرانية تستثني إسرائيل وتثير تساؤلات حول مستقبل الخليج
انتظر العالم بفارغ الصبر خلال الأسبوع الماضي انعقاد المفاوضات الأميركية - الإيرانية لهدنة حرب 2026، والتي جرت في باكستان وسط أجواء من التوتر والترقب. الغياب اللافت لإسرائيل عن طاولة المفاوضات، رغم دورها الرئيسي والمحوري في الحرب، أثار تساؤلات عديدة حول الأسباب الكامنة وراء هذا الاستبعاد.
غياب إسرائيل واستراتيجية التفاوض
حصر عملية التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران فقط، يعفي إسرائيل من أي اتفاق يتم التوصل إليه بين واشنطن وطهران. هذا الأمر يترك فسحة واسعة لبنيامين نتنياهو في التلاعب والمناورة حول الصياغة النهائية لقرار الهدنة، مستفيداً من علاقاته الوثيقة مع البيت الأبيض حتى اللحظات الأخيرة لتحقيق الأجندة الإسرائيلية في الحرب.
منذ بداية الصراع، اتضح أن أولويات إسرائيل تختلف جذرياً عن أولويات الولايات المتحدة. فأولوية إسرائيل تكمن في قضم وضم أراضٍ عربية جديدة، بينما للدولة الكبرى، الولايات المتحدة، اهتمامات ومسؤوليات عالمية أوسع، تركز على حماية دول الخليج العربي والحفاظ على استقرار المنطقة.
تباين الأهداف بين الحلفاء
تعددت أهداف الحلف الأميركي - الإسرائيلي في بداية الحرب، وشملت معظمها المصالح الإسرائيلية أكثر منها الأميركية:
- الحد من برنامج اليورانيوم المخصب الإيراني.
- إسقاط النظام الإيراني من خلال تثوير الرأي العام ضده.
- توسيع رقعة ونفوذ إسرائيل في المنطقة.
إسرائيل تعمل منذ عقود لضم الجنوب اللبناني، وقد سعت من خلال الرحلات المكوكية لنتنياهو إلى البيت الأبيض خلال الأشهر الماضية، لتأمين نجاح قرار الحرب المشترك مع واشنطن ضد إيران، والحصول على تزويد إضافي بالأسلحة الأميركية خلال الحرب، وهو ما تحقق بالفعل.
أولويات واشنطن الجيوسياسية
بالنسبة لواشنطن، كان من المفترض أن تشكل الأهمية الجيوسياسية لحرية الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز الاهتمام الرئيسي والعلني، لكن هذين البعدين لم يضافا إلى الأجندة العلنية في بداية الحرب. بل استمر اهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب منصباً حتى اللحظة الأخيرة على تغيير النظام السياسي الإيراني والقضاء في ليلة واحدة على حضارة شعب.
تساؤلات حول مستقبل الخليج ومضيق هرمز
طرحت مؤسسة البترول الأميركي في واشنطن سؤالاً افتراضياً مهماً: ما إذا فُرضت العقوبات الاقتصادية ثانيةً على إيران في حال عُدّ مضيق هرمز أرضاً سيادية إيرانية، فهل ستُعدّ الملاحة أثناء الحظر، خرقاً له؟
كما تبرز تساؤلات حول موقف الدول الخليجية الجارة لإيران، وهل ستستمر طهران في عدّها دولاً معادية كما حصل خلال الحرب، حيث استُعملت هذه الحجة الإيرانية لقصف يومي ضد المنشآت النفطية والمدنية لدول الخليج؟
أهمية استقرار الممرات البحرية
من أجل استعادة حرية الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، والمحافظة على الاستقرار الاقتصادي المطلوب لأهمية الخليج والمضيق، يجب التوصل إلى قرارات بعيدة المدى تتجاوز أسبوعَي الهدنة الحالية. هذا الأمر ضروري للمحافظة على سلامة سلسلة الإمداد لأهم ممر عبور نفطي عالمي، حيث يمر نحو 20 مليون برميل يومياً، ناهيك عن تجارة البتروكيماويات، حيث يعبر 40 في المائة من حجمها العالمي، ومنها الأسمدة، يومياً عبر المضيق.
تحديات البنتاغون والتداعيات العالمية
طرحت وسائل الإعلام الأميركية أثناء الحرب سؤالاً محورياً: هل اتخذ البنتاغون الخطط اللازمة لتلافي التحديات عبر مضيق هرمز؟ فإذا كانت وزارة الدفاع الأميركية قد اتخذت الاحتياطات اللازمة، فلماذا ظهرت العراقيل وعمليات الإغلاق بهذه السرعة، مما يؤدي إلى كساد تضخمي عالمياً؟
كما طرحت وجهة نظر أخرى أثناء الحرب تشير إلى أن إيران تحملت تدميراً واسعاً لبلادها في بداية الحرب، لكنها انتظرت إلى نهايتها تقريباً، لتستغل فرصتها الاستراتيجية في تعطيل واحدة من أهم سلاسل الإمداد العالمية. هذا الأمر أدى إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، بين الولايات المتحدة وأوروبا على سبيل المثال.
المحاولات الدولية والفشل الدبلوماسي
بادر رئيس الوزراء البريطاني بدعوة 41 وزير خارجية للدول التي تستعمل مضيق هرمز، في محاولة من بريطانيا وحلفائها الأوروبيين لسحب الملف من واشنطن. لكن هذه المحاولة فشلت نتيجة معارضة الدولتين الكبريين الدائمي العضوية في مجلس الأمن، روسيا والصين، عندما طرح مشروع قرار بهذا الموضوع.
الهدنة الحالية تبقى مرتعشة وهشة، حيث تظهر الخلافات العميقة بين الحلفاء، وتثير تساؤلات مصيرية حول مستقبل استقرار الخليج العربي والممرات البحرية الحيوية للاقتصاد العالمي.



