مضيق هرمز: من شريان العالم إلى بؤرة التوتر البحري
مضيق هرمز، الذي كان يُوصف تقليدياً في الأدبيات الجغرافية بشريان العالم الحيوي، بات اليوم أكثر بؤرة توتر بحري تشهد اشتباكاً حاداً بين مفاهيم الحرب والاقتصاد والسياسة، بالإضافة إلى التوصيفات القانونية المعقدة. هذا التحول الكبير يأتي في أعقاب تصرفات نظام طهران المثيرة للاستهجان العالمي، والتي تُعتبر انتهاكاً صارخاً لأبسط حقوق حرية الملاحة الدولية، مما يضع العالم أمام تحديات غير مسبوقة.
تحولات في طبيعة الصراعات الدولية
نحن إزاء تحول جوهري في طبيعة الصراعات الدولية، يبدأ من التوصيف ذاته، ويمر عبر طبيعة الصراع ومدته، ويصل إلى تأثيره المتجاوز لأطراف النزاع المباشرة. هذا التحول يتجلى في معادلات التكلفة التي تمتد من الخسائر البشرية إلى الآثار الاقتصادية، ومن الجغرافيا إلى الاستقرار العالمي. إنه تحول مثير للقراءة من زاوية تغير مفهوم الحرب، حيث لم تعد الأسلحة تُقاس فقط بقوة تأثيرها التدميري، بل بقدرتها على إحداث فارق حاسم على مستوى التكلفة والاستدامة.
ومن بين هذه التحولات البارزة، يبرز حضور المسيّرات الرخيصة، والهجمات السيبرانية التي تنفذها مجموعات صغيرة مختبئة في أماكن نائية، معتمدةً على الاتصال بالإنترنت فقط. كما تظهر الألغام التي تُحقن في الممرات المائية الدولية، ليصل تأثيرها حرفياً إلى كل أنحاء العالم، مما يعكس تعقيداً جديداً في المشهد الجيوسياسي.
الحرب الجيواقتصادية: الورقة الرابحة لإيران
الحرب الجيواقتصادية أصبحت عنوان المرحلة الحالية، وهي الورقة الرابحة التي تلعبها طهران في الموجة الثانية من المواجهات. في هذا السياق، صعد مضيق هرمز ليتصدر العناوين الإخبارية، ويصبح العنوان العريض للأزمة العالمية. لم يعد الحديث الآن يدور حول تصدير الثورة أو الأذرع الميليشياوية، ولا حتى حول نسب التخصيب النووي، بل تحول التركيز كلياً إلى هذا الممر العالمي الحيوي، الذي يضخ الحياة الاقتصادية لشعوب الأرض عبر تدفق النفط والسلع.
هل يُعد التلويح بسلاح الاقتصاد أمراً جديداً على العالم؟ بالطبع لا، فقد عرفه العالم منذ الحرب العالمية الثانية. كما يشير عالم الاقتصاد والاجتماع ألبرت هيرشمان، فإن العالم منذ عام 1945 تخلّى عن الحياد في العلاقات التجارية. لكن اليوم، يواجه العالم تهديداً جديداً وفتاكاً وسريع التأثير، يتمثل في التحكم في سلاسل الإمداد العالمية.
مع التوترات الحالية حول مضيق هرمز، أصبح هذا السلاح أمضى من أسلحة الردع التقليدية، بسبب تأثيره المباشر على تعطيل حركة الملاحة، وما يترتب عليه من آثار سلبية على أسواق الطاقة والغذاء والتقنية. هذا يؤدي إلى تآكل الثقة التي يقوم عليها الاقتصاد الدولي كمنظومة تعاون متكاملة، مما يهدد الاستقرار العالمي برمته.
عسكرة نقاط الوصل وزعزعة الاستقرار
الأمر الأكثر خطورة هو أن عسكرة نقاط الوصل بين أجزاء العالم، مثل الموانئ والممرات البحرية، تأتي في وقت تعيش فيه العديد من دول العالم حالة انهيار اقتصادي وفشل في مفهوم الدولة التقليدية. هذا بالضرورة يؤدي إلى زعزعة الاستقرار العالمي، خاصة في ظل عدم وجود حالة اكتفاء ذاتي تسمح بخيار العزلة، حتى في أكثر البلدان بعداً عن بؤر الصراع.
لقد أصبح العالم أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، مما يجعل أي اضطراب في مضيق هرمز يؤثر على الجميع. لذلك، فإن إعادة إحياء منظومات الحوكمة السياسية والمالية، بغض النظر عن المسميات، باتت ضرورة وجودية لتحقيق الأمن الجماعي. هذا يتطلب بناء تحالفات قوية بين الدول المؤثرة والفاعلة، لتعزيز التكامل والاستقرار والتنمية، بعيداً عن استراتيجيات المقامرة التي يدفع العالم ثمنها اليوم.
التحركات العسكرية والحلول الممكنة
تعكس التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة محاولة جادة لاحتواء الموقف دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية عبور مدمرتين صاروخيتين إلى الخليج العربي، ضمن مهمة أوسع تهدف إلى تأمين الممر الملاحي وإزالة الألغام. كان تصريح قائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر لافتاً، حيث تحدث عن إنشاء ممرات آمنة لضمان استمرار تدفق السلع الحيوية.
للأسف، نحن أمام عقيدة بحرية إيرانية تشكلت منذ عام 1988، بعد أن دمرت القوات الأميركية جزءاً كبيراً من الأسطول الإيراني في معركة استمرت يوماً واحداً. منذ ذلك الحين، تخلت طهران عن محاولات المنافسة التقليدية، واعتمدت بدلاً من ذلك استراتيجية للعمليات غير المتكافئة، تهدف إلى السيطرة على الشحن التجاري. هذا يشكل نقطة ضعف خطيرة أمام انسيابية الملاحة الدولية، خاصة مع استمرار هذه العقيدة القائمة على خلق الفوضى من خلال منطق «التكلفة».
مضيق هرمز يمثل اختباراً حقيقياً للعالم أجمع، يدعو إلى التكاتف وكسر حالة الاختطاف التي يتعرض لها. من هنا، فإن العودة إلى العمل الجماعي والمؤسساتي، عبر تحالف متكامل للدول المعنية والمتضررة، خاصة بالتعاون مع دول المنطقة، يعد أحد أهم الحلول المتاحة. هذا يجب أن يكون بعيداً عن رهانات التفاوض وسجالات التهديد، أو القبول بالأمر الواقع وشرعنة ما يُسمى «الإتاوة»، وحتى التلويح بالتشارك فيها على طريقة توزيع الغنائم. المستقبل يتطلب وحدة عالمية لضمان استمرار تدفق الحياة الاقتصادية عبر هذا الممر الحيوي.



