سكان بلدات لبنانية حدودية يصرون على البقاء رغم الحصار الإسرائيلي والمخاطر المحدقة
في موقف يعكس صلابة وإصراراً غير عاديين، يرفض سكان البلدات المسيحية الحدودية في جنوب لبنان، وهي رميش وعين إبل ودبل، مغادرة منازلهم رغم إنذارات الإخلاء التي وجهها الجيش الإسرائيلي واستمرار الحصار لأكثر من أسبوعين. هذا القرار الجماعي يأتي في ظل تصاعد القتال بين إسرائيل وحزب الله، مما يضع هؤلاء السكان في مواجهة مباشرة مع مخاطر جسيمة تهدد حياتهم وممتلكاتهم.
قرار جماعي بالبقاء رغم الذكريات المؤلمة
بحسب رئيس بلدية رميش، حنا العميل، فإن عدد الذين بقوا في البلدة يصل إلى 6066 شخصاً من مختلف الفئات العمرية، حيث أكد أن القرار كان نهائياً وحاسماً منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب. وأوضح العميل في حديث مع بي بي سي عربي أن رميش هي الأرض التي ولدوا فيها وورثوها عن آبائهم وأجدادهم، الذين دفعوا ثمناً باهظاً للدفاع عنها عبر التاريخ.
من جهته، قال داني كلاكش، أحد أبناء رميش، إن نسبة النازحين من البلدة لا تتجاوز 5% من إجمالي سكانها، مضيفاً أنهم يواجهون خيارين صعبين: العيش والموت في أرضهم، أو العيش والموت كمشردين. هذا التمسك بالأرض يأتي رغم التجربة القاسية التي عاشتها البلدة خلال حرب يوليو/تموز 2006، حيث عانت من عزلة تامة وانقطاع في السلع الأساسية لمدة 17 يوماً.
توسيع نطاق التحذيرات الإسرائيلية وعزل القرى
وسّع المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، في الأيام الأخيرة نطاق تحذيرات الإخلاء ليشمل المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني، مما يعني توسيع النطاق الجغرافي للمناطق المستهدفة. وتقول إسرائيل إن معظم قدرات حزب الله وأسلحته تتمركز في مناطق جنوب نهر الليطاني.
في هذا السياق، أصبحت مناطق جنوب نهر الليطاني معزولة إلى حد كبير، حيث شن الجيش الإسرائيلي غارات على جسور وطرق رئيسية تربط الجنوب بشمال لبنان. وقد أدى ذلك إلى عزل القرى الحدودية بشكل شبه كامل، مما زاد من معاناة السكان الذين يعانون بالفعل من نقص حاد في الغذاء والماء والأدوية.
تحديات إنسانية وصحية خطيرة
يواجه سكان هذه البلدات تحديات إنسانية وصحية جسيمة، حيث يؤكد العميل أن المخزون من المواد الغذائية والأدوية الذي تم تأمينه لم يكن يكفي سوى لنحو 12 يوماً فقط. ورغم دخول بعض المساعدات عبر الصليب الأحمر الدولي والصليب الأحمر اللبناني، إلا أن الخطر لا يزال قائماً في حال استمرار الحرب لفترة أطول.
أما الخطر الثاني فيكمن في غياب مستشفى داخل رميش، حيث يوجد فقط مستوصفات محدودة الإمكانات. ويشير كلاكش إلى غياب الإمكانات اللازمة لإجراء فحوصات طبية أو تحاليل مخبرية، مما يعرض حياة المرضى للخطر، خاصة في حالات الطوارئ.
حوادث استهداف مدنيين وتدمير ممتلكات
شهدت المنطقة عدة حوادث استهداف مدنيين، حيث أفادت الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام بمقتل شخصين، هما جورج سعيد وابنه إلياس، إثر إطلاق الجيش الإسرائيلي النار على سيارة مدنية. كما استهدفت غارة إسرائيلية بلدة عين إبل في مارس/آذار 2026، مما أدى إلى مقتل ثلاثة مدنيين.
ونقلت الوكالة عن رئيس بلدية عين إبل، أيوب خريش، تلقيهم أمراً من الجيش الإسرائيلي بالانتقال من القسم الشمالي إلى القسم الجنوبي في البلدة حفاظاً على السلامة. كما استنكرت بلدية دبل في بيان تفجير الجيش الإسرائيلي لمنازل في البلدة، مؤكدة أنها بلدة مسالمة لا ناقة لها في هذه الحرب.
ذكريات حرب 2006 وتجارب الصمود
يتذكر سكان رميش جيداً حصار بلدتهم خلال حرب يوليو/تموز 2006، حيث استقبلت أكثر من 10 آلاف نازح من البلدات المجاورة، مما أدى إلى نفاد المخزون من المواد الأساسية خلال أسبوعين. وقتلت طفلتان شقيقتان في قصف إسرائيلي على منزل كان يستضيف نازحين، مما يسلط الضوء على المعاناة الإنسانية التي عاشها السكان.
ويشير كلاكش إلى أن الصمود في تلك الفترة كان يحتاج إلى مقومات كبيرة، حيث انقطعت البلدة عن محيطها واضطر السكان إلى اعتماد أساليب تكيف صعبة جداً على مدى ثلاثة أسابيع، مما أثر بشكل كبير على صحتهم النفسية والجسدية.
مطالب بحماية دولية وممرات إنسانية
ناشد رئيس بلدية رميش منظمات الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي تأمين ممرات إنسانية لإيصال السلع والخدمات الأساسية لأهالي المنطقة، مؤكداً أنهم معزولون داخل منطقة نزاع مسلح وتنطبق عليهم اتفاقيات جنيف الدولية. وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن القانون الدولي الإنساني يحظر النزوح القسري إلا لأسباب أمنية أو عسكرية قهرية.
وكان برنامج الأغذية العالمي قد أعلن إيصال قافلة مساعدات أساسية إلى بلدة عين إبل في أبريل/نيسان 2026، ثم تقاسمت البلدات ما لديها من مخزون مع بلدة دبل المحاصرة، في خطوة تعكس روح التضامن بين السكان رغم الظروف الصعبة.
في النهاية، يبقى سكان هذه البلدات متشبثين بأرضهم وهويتهم، رغم كل المخاطر والتحديات، مؤكدين أن قرار البقاء هو اختيار وجودي يتجاوز الخوف من الخسائر المادية أو البشرية، ليرتبط بمصير ووجود مجتمع بأكمله على حدود متوترة.



