لبنان في مواجهة لعبة التفكيك: استهداف إسرائيل يهدد النسيج الاجتماعي
لبنان: لعبة التفكيك واستهداف إسرائيل يهدد المجتمع

لبنان في مواجهة لعبة التفكيك: استهداف إسرائيل يهدد النسيج الاجتماعي

في ظل التطورات الأخيرة في لبنان، بدأت الحرب تأخذ منحى أكثر خطورة مع توسيع إسرائيل استهدافها لمناطق خارج بيئة «حزب الله»، بذريعة ملاحقة عناصره. هذا التوسع يخلق آثاراً سياسية ونفسية عميقة في مجتمع هش أصلاً، حيث لم يعد النقاش يدور حول أسباب الاستهداف، بل حول طريقة تلقيه داخلياً وما يكشفه من خلل في قراءة الأحداث.

التفاوت في ردود الفعل: قراءات طائفية تهدد الوحدة الوطنية

في كل مرة تُقصف منطقة ذات غالبية مسيحية، يرتفع منسوب التفاعل السياسي والإعلامي بشكل لافت، وهذا مفهوم جزئياً نظراً للحساسية المفرطة والخوف من الانكشاف الأمني. لكن هذا التفاعل يتحول أحياناً إلى مبالغة، تُخرج الحدث من سياقه الوطني وتقدمه كاستهداف خاص لطائفة بعينها، متجاهلة ما يجري في بقية المناطق.

في المقابل، عندما تتعرض مناطق أخرى، خاصة سنية خارج بيئة «حزب الله» ومعارضة له، لضربات مماثلة وتسقط فيها ضحايا مدنيون، لا نشهد مستوى رد الفعل نفسه سياسياً أو إعلامياً. هذه الضربات تمر غالباً بصمت نسبي، كأنها أقل خطورة أو دلالة، مما يُنتج سرديات متوازية ويُضعف الإحساس بالمصير المشترك.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تطورات خطيرة: «الأربعاء الأسود» يكشف الإشكالية

التطور الأخير، المتمثل في «الأربعاء الأسود» الأسبوع الفائت، حيث طالت ضربات إسرائيل أحياء سكنية في بيروت خارج نطاق سيطرة «حزب الله»، وأوقعت مجزرة بشرية ومادية، يؤكد أن الاستهداف لم يعد محصوراً ببيئة بعينها. ومع ذلك، لم يؤد هذا الاتساع إلى توحيد ردود الفعل، بل بقيت القراءات مجتزأة وتُفسر من زوايا فئوية ضيقة.

هنا تكمن المشكلة الأساسية: ليس فقط في طبيعة الضربات، بل في طريقة استقبالها. فبدلاً من أن يقود اتساع الاستهداف إلى إدراك أن الخطر تعمم، يستمر التعامل معه كتهديد متمايز، يُقاس وفق هوية المنطقة المستهدفة لا وفق طبيعة الحدث نفسه.

الخطورة السياسية: تفكيك المجتمع من الداخل

الخطورة في هذا المسار ليست أخلاقية فحسب، بل سياسية أيضاً. فإسرائيل لا تحتاج إلى إعلان نية لتفكيك المجتمع اللبناني إذا كان هذا المجتمع يتولى بنفسه إنتاج قراءات متباينة للحدث الواحد. يكفي أن تُضرب مناطق متفرقة، ويُترك الداخل ليتفاعل معها بشكل انتقائي، حتى تتحول الحرب إلى عملية تفكيك تدريجي من الداخل.

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن هذا الواقع يخدم أيضاً «حزب الله»، الذي ضحى بلبنان لمصلحة إيران. فكلما تعمق الشرخ بين اللبنانيين وتكرست مشاعر الخوف وعدم الثقة، تراجعت فكرة الدولة الجامعة وتعززت الحاجة إلى قوى أمر واقع. وهنا تلتقي مصلحة إسرائيل في تعميم الاستهداف مع مصلحة الحزب في إبقاء الدولة ضعيفة وعاجزة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الدولة كإطار جامع: مواجهة لعبة التفكيك

الإشكالية ليست في التنديد بضربة هنا أو هناك، بل في الانتقائية في هذا التنديد. ليست القضية أن ما تتعرض له المناطق المسيحية غير مهم، بل إن عزله عن معاناة بقية المناطق يحوله، من دون قصد، إلى جزء من المشكلة. فتجاهل ما تتعرض له المناطق السنية أو حتى مناطق بيئة الحزب لا يقل خطورة عن تضخيم ما تتعرض له مناطق أخرى.

الدولة تبقى الإطار الوحيد القادر على جمع اللبنانيين، لأن شللها يفتح المجال أمام قوى داخلية وخارجية لملء الفراغ بما يغذي مشاريع التفكيك، من فرض إسرائيل لوقائع جديدة في الجنوب إلى ترسيخ ازدواجية السلطة من قبل «حزب الله»، وصولاً إلى طرح خيارات تقسيمية أو فيدرالية انتحارية.

ماذا تنتظر السلطة لمواجهة لعبة التفكيك الجارية؟ يجب عدم تحويل الضربات إلى مادة للفرز الطائفي، وإقفال الطريق أمام استكمال ما بدأه الآخرون بتفكيك الدولة والمجتمع من الداخل. حين يصبح الخطر يهدد الكيان، من غير المسموح مواجهته بسرديات مختلفة. الضحايا ليسوا طوائف بل مواطنون، وحماية أي منطقة لا تكون بعزلها بل بربط مصيرها بمصير باقي المناطق. عندها فقط يمكن كسر الحلقة التي تجعل من كل ضربة عسكرية خطوة إضافية نحو تفكك الداخل، بدل أن تكون حافزاً لاستعادة ما تبقى من معنى الدولة.