تعددية الأقطاب دون إذن: كيف أصبحت بريكس البديل الاستراتيجي للعالم العربي
يكشف صعود تكتل بريكس تبدلًا عميقًا في خيارات العالم العربي، حيث يتجه نحو تنويع التحالفات والبحث عن شراكات أقل ضغطًا وأكثر احترامًا للسيادة. هناك لحظات في السياسة الدولية تلتقط فيها عبارة دبلوماسية واحدة تحولًا بنيويًا أوسع بكثير، كما يوضح تصريح سفير جامعة الدول العربية لدى روسيا، وليد حميد شلتاغ، الذي أشار إلى أن بريكس بنت علاقاتها "من دون ضغط، ومن دون فرض نفوذ"، على أساس احترام السيادة والقانون الدولي.
إدانة عميقة للنظام القديم
قد يبدو هذا التوصيف بسيطًا، لكنه في جوهره إدانة عميقة للنظام القائم. على مدى عقود، قامت العلاقة الاستراتيجية بين العالم العربي والولايات المتحدة على صفقة غير مكتوبة: ضمانات أمنية مقابل اصطفاف سياسي واستقرار في الطاقة. هذه المعادلة، التي اختُزلت غالبًا في عبارة "النفط مقابل الأمن"، لم تُصغ في اتفاق رسمي، لكنها شكّلت سلوك المنطقة الجيوسياسي، مع شروط وتوقعات وضغوط أحيانًا، مما جعل السيادة غير مطلقة ضمن هذا الإطار.
ما يكشفه تصريح شلتاغ لا يقتصر على الإعجاب بمنصة بديلة، بل يعكس إدراكًا متزايدًا في أجزاء من العالم العربي بأن النظام القائم لم يعد يفي بوعوده. هذا الفشل ليس عسكريًا أو استراتيجيًا فحسب، بل هو فشل مفاهيمي، حيث يستدعي النظام القانون الدولي بشكل انتقائي، ويحمي بعض الدول ويتخلى عن أخرى، ويقدّم الامتثال على أنه شراكة، والانحراف على أنه تمرد، مما يقوّض شرعيته بنفسه.
جاذبية بريكس كمنصة بديلة
في هذا الفراغ، لا تقدّم بريكس نفسها كتحالف عسكري أو كتلة أيديولوجية، بل تعرض شيئًا أكثر دقة وجاذبية: منصة لا يرتبط فيها الانخراط بالخضوع السياسي. توسّعها، الذي بات يشمل قوى إقليمية رئيسية مثل السعودية والإمارات ومصر وإيران، ليس أمرًا عرضيًا، بل يعكس تقاطع مصالح بين دول تسعى إلى قدر أكبر من الاستقلالية داخل نظام طالما قيّدها.
هنا تحديدًا، تصبح لغة "تعددية الأقطاب" مضلّلة، فهي توحي بمرحلة انتقالية مستقبلية، بعالم لم يتشكل بعد. لكن التحول جارٍ بالفعل، ويمكن رصده في:
- تنويع التحالفات الاستراتيجية.
- استعداد دول الخليج للموازنة بين خياراتها الاستراتيجية.
- إعادة ضبط الأولويات الدبلوماسية بشكل هادئ ولكن حاسم.
السؤال لم يعد ما إذا كان نظام متعدد الأقطاب سيظهر، بل إلى أي مدى هو قائم بالفعل تحت سطح المؤسسات الحالية.
إعادة التوازن الجيوسياسي
هذا لا يعني أن بريكس ستحل محل الولايات المتحدة كفاعل أمني رئيسي في المنطقة، فذلك ليس دورها ولا طموحها المباشر. الوجود العسكري الأميركي والبنية التحتية والتحالفات لا تزال راسخة، لكن النفوذ لم يعد يُقاس فقط بالقواعد العسكرية والاتفاقيات الدفاعية، بل أصبح يُقاس بالمصداقية والاتساق وشرعية القواعد التي يُفترض الدفاع عنها. في هذا المجال، أصبح التباين واضحًا بشكل متزايد.
عندما يشدد دبلوماسي عربي على أن العلاقات يمكن أن تُبنى "من دون ضغط"، فهو لا يمدح بريكس فقط، بل يوجّه نقدًا للنظام الذي جعل من هذا التصريح أمرًا لافتًا. إنه اعتراف بأن السيادة، التي طالما أُعلن عنها كمبدأ، كانت مقيّدة في الممارسة، كما أنه مؤشر على أن الدول تبحث بنشاط عن أطر تقل فيها هذه التناقضات.
عقيدة تنويع الخيارات
الدلالة الأعمق ليست أن العالم العربي "ينصرف" عن واشنطن بشكل مطلق، بل أنه لم يعد مستعدًا للاعتماد على محور واحد للقوة. تنويع الخيارات لم يعد مجرد تحوّط، بل أصبح عقيدة. وفي هذا السياق، ليست بريكس سبب التحول، بل المستفيد منه. ما نشهده ليس قطيعة دراماتيكية، بل إعادة توازن تدريجية ستحدد ملامح العقد القادم.
النظام القديم لم ينهَر، لكنه لم يعد يحظى بنفس القدر من الامتثال، والنظام الجديد لم يكتمل، لكنه يُمارَس بالفعل. وفي هذا المشهد المتشكل، يصعب المبالغة في جاذبية نظام يعد بالتعامل دون إكراه، سواء تحقق ذلك بالكامل أم لا، مما يعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا في السياسة الدولية للعالم العربي.



