الخليج وحرب لبنان: معادلة إقليمية معقدة تتطلب حلولاً جذرية
لم يكن يتصور أبناء دول الخليج العربي أن يصبحوا طرفاً في حرب تدور رحاها بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل و»حزب الله» في لبنان، الذي يبعد عنهم بأكثر من ألفي كيلومتر. بل وصل الأمر إلى حد استخدام دول الخليج «ورقة ضغط» لإجبار تلك الأطراف المتنازعة على وقف إطلاق النار، رغم أن بنود هذا الهدنة لم يتم الاتفاق عليها بشكل كامل، ولسنا بأي حال من الأحوال طرفاً مباشراً في هذا الصراع الدامي.
تناقضات المواقف الدولية وأوراق الضغط
يظهر التناقض جلياً في المواقف الدولية، فبينما يؤكد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ووزير خارجيته أن «حزب الله» لا يشملها أي اتفاق لوقف إطلاق النار، نجد إيران والوسيط الباكستاني يصران على العكس تماماً. هذا التضارب في المواقف جعل الوعود الأمريكية تبدو ركيكة وهشة، خاصة وأن إسرائيل لا تعبأ بها كثيراً في سياستها الإقليمية.
تُستخدم «أوراق الضغط» عادة في الاتفاقيات الدولية على شكل بنود محددة لضمان الالتزام بالمعاهدات. ففي اتفاقية «حظر الانتشار النووي» بين إيران والمجموعة الأوروبية، تم التعبير عن هذه الآلية بمصطلح «آلية الزناد»، التي تمكن أي طرف من إنهاء الاتفاقية إذا لم تلتزم إيران بشروطها، مما يعيد فرض العقوبات الدولية عليها. هذه الاتفاقية نفسها هددت إيران بالانسحاب منها بعد الهجمات التي تعرضت لها من أمريكا وإسرائيل في يونيو من العام الماضي.
الوضع اللبناني: تاريخ من المعاناة وأكوام من أوراق الضغط
أما بالنسبة للبنانيين، فقد أصبحت أوراق الضغط عليهم أكواماً متراكمة عبر التاريخ. يشهد تاريخ لبنان أن العدو الإسرائيلي كان الوحيد القادر على إزاحة بعض هذه الأعباء عن كاهلهم، كما حدث قبل أربعة وأربعين عاماً عندما رحب بعض اللبنانيين بالجيش الإسرائيلي لقصفه مواقع ياسر عرفات وجيش منظمة التحرير الفلسطينية في النبطية، وهو ما اعتبره اللبنانيون آنذاك تحريراً من الاحتلال الفلسطيني.
من ناحية أخرى، نتابع كيف أن «حزب الله» يستمر في تدمير الاقتصاد اللبناني الهش، ويغتال بعض السياسيين، وينفذ أجندة إيران ضد إسرائيل، مما أدى إلى تدمير الجنوب اللبناني منذ عام 2006. واستمرار هذه السياسات أدى إلى اغتيال قيادات الحزب وزعيمه حسن نصرالله، وصولاً إلى القصف المتبادل للأسبوع الماضي الذي استهدف مواقع الحزب الذي كان يخطط لمحاولة انقلاب وفوضى في لبنان.
الدعوة إلى اتفاقية سلام شاملة مع إسرائيل
من هذا المنطلق، نوجه خطاباً للبنانيين: ليس المطلوب فقط مفاوضات مع إسرائيل لوقف إطلاق النار، كما بادر بها الرئيس ميشال عون الأسبوع الماضي والتي ستتم في وزارة الخارجية الأمريكية، بل يجب عقد اتفاقية سلام شاملة مع إسرائيل، على غرار ما فعلت مصر لاستعادة أراضيها. مثل هذه الاتفاقية يمكن أن تحقق ما عجز عنه الجيش اللبناني، حيث يستعيد لبنان أراضيه المحتلة، ويستأصل نفوذ «حزب الله»، وينزع سلاحه بشكل كامل - وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التعاون مع إسرائيل.
الذكرى السادسة والسبعون لاتفاقية الدفاع العربي المشترك
غداً، تحل الذكرى السادسة والسبعون لتوقيع «اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي» لدول الجامعة العربية. لقد أصبح بند «الدفاع المشترك» في هذه الاتفاقية مجرد حبر على ورق، خاصة بعد توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل التي اعترف بها جميع العرب في مؤتمر فاس عام 1982. بينما طالبت الدول العربية باتفاقية سلام شاملة مع إسرائيل، رفضت الأخيرة هذا المطلب.
أما ما تبقى من اتفاقيتنا العربية، فهو جانب «التعاون الاقتصادي» فقط، والذي تحول إلى قنوات لضخ مليارات الدولارات من المساعدات الخليجية لدول عربية تملصت من التزامات الدفاع المشترك، وتركت دول الخليج وحيدة في مواجهة العدو الإيراني، وفي معاناة الموقف الأمريكي الرمادي تجاه ضمانات وقف إطلاق النار التي لم تتحقق على أرض الواقع.
إعادة ترتيب المعادلة الإقليمية: إسرائيل شريك محتمل
إذا قمنا برسم خريطة المصالح في المنطقة بدقة، نجد أن إسرائيل تحارب إيران و»حزب الله» - وهما العدوان الأكبر لدول الخليج العربي. وإذا أعدنا ترتيب هذه المعادلة السياسية المعقدة، فستصبح إسرائيل شريكاً لدول الخليج في حربها ضد الإرهاب الإيراني، بعد أن كانت شريكاً للسلام مع دول عربية أخرى. والآن، يبدو أن لبنان في طريقه إلى هذا التحول، مما يخلق قابلية للتفاهم بين الخليجيين والإسرائيليين بناءً على الأهداف المشتركة.
الدعوة إلى كونفدرالية عسكرية خليجية
يبقى الأهم في هذه المعادلة، وهو ما نادينا به على مدى عقد ونصف العقد: إنشاء كونفدرالية عسكرية خليجية لها أذرع تمتد إلى دول آسيوية نووية، تماماً كما فعلت المملكة العربية السعودية في اتفاقية الدفاع المشترك مع باكستان، التي وصلت قواتها العسكرية إلى أراضي المملكة يوم السبت الماضي. هذا التحالف يمكن أن يسد فراغ الدفاع العربي المشترك الزائف، ويعوض عن فشل الاتفاقيات التي وقعناها سابقاً مع الدول العربية الأخرى.
إن التحديات الأمنية والإقليمية التي تواجهها دول الخليج تتطلب حلولاً جذرية وإستراتيجيات جديدة. فبينما تستمر إيران في توسيع نفوذها عبر وكلائها في المنطقة، وتواجه إسرائيل هذه التهديدات بشكل مباشر، يصبح من المنطقي إعادة النظر في التحالفات الإقليمية وبناء شراكات جديدة تحمي مصالح دول الخليج وتضمن استقرار المنطقة على المدى الطويل.



