سوريا الشرع تواجه تحديات في مواجهة حزب الله رغم الضغوط الأميركية
أفاد تقرير نشرته وكالة "رويترز" في 17 آذار الماضي أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً على الرئيس السوري أحمد الشرع للبحث في إمكان نشر قوات سورية في لبنان، بهدف المساهمة في مواجهة حزب الله، وهي مهمة أخفقت الدولة اللبنانية في إنجازها لسنوات طويلة.
رغم أن المبعوث الأميركي توم براك نفى هذه المزاعم، إلا أنها سلطت الضوء على إشكالية محورية في العلاقة الثنائية بين البلدين، حيث تبدي سوريا استعداداً للشراكة في جهود احتواء النفوذ الإيراني وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
محدودية الجاهزية العسكرية والسياسية
إلا أن سوريا لا تبدو مهيأة للتحول إلى قوة استطلاعية لمواجهة القوات المسلحة الموالية لإيران ونزع سلاحها خارج حدودها السيادية، سواء تعلق الأمر بحزب الله في لبنان أو بالميليشيات الشيعية في العراق.
في هذا السياق، تمتلك إدارة ترامب هامشاً واسعاً لتخفيف حدة التوتر من خلال الإقرار بالمحددات التي تحكم عمل الحكومة الناشئة في دمشق، واستكشاف ممارسات بديلة لتعزيز التعاون في الملفات الأمنية الحيوية.
النهج الحذر لسوريا في التعامل مع الأزمة
اعتمدت دمشق حتى الآن مقاربة حذرة ومدروسة إزاء الحرب، حيث انحازت دبلوماسياً إلى جانب الدول العربية وواشنطن، وعززت أمن حدودها وتجنبت التصعيد.
إلا أنها أبقت في الوقت نفسه عيناً يقظة على إسرائيل، التي هاجمت قواتها في الجنوب في عشرين آذار الماضي دعماً لعناصر درزية، ووسعت عملياتها لتعزيز التعاون في الملفات في لبنان المجاور.
يعكس هذا التعاون حذراً بسبب القيود الهيكلية التي تواجهها حكومة لا تزال في طور البناء والتأسيس، مع تركيز على تأمين الجبهة الداخلية.
التحركات الدبلوماسية السورية
على الصعيد الدبلوماسي، أجرى وزير الخارجية أسعد الشيباني سلسلة اتصالات بالولايات المتحدة في الخليج وتركيا والعواصم الغربية فور اندلاع الأعمال العدائية في 28 شباط الماضي.
وقد دانت وزارة الخارجية الهجمات على الدول العربية، معربة عن تضامنها مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر والكويت والأردن.
في الأيام التالية، عزز الشرع هذه الرسالة بتواصله المباشر مع القادة الإقليميين، والتنسيق مع المسؤولين في بغداد وحكومة إقليم كردستان.
الموقف العسكري السوري
كانت سوريا قد انضمت إلى دول مجلس التعاون الخليجي والأردن في إدانة الضربات الإيرانية بأشد العبارات، مما وضع دمشق بوضوح ضمن كتلة عربية ناشئة.
إلا أنها في المقابل التزمت ضبط وضعها العسكري وركزت على تأمين أراضيها، حيث وضعت في 3 آذار آلاف الجنود والمركبات المدرعة ومنظومات صواريخ قصيرة المدى على الحدود.
أشار أحد التقارير إلى أن الوحدات المرسلة تضمنت عناصر أوزبكية وإيغورية من النخبة، مما يسلط الضوء على التحولات في البنية القتالية للجيش واستمرار اعتماده على المقاتلين الأجانب.
المخاطر المحتملة للتدخل السوري في لبنان
حرص المسؤولون السوريون على تأطير عمليات الانتشار بوصفها دفاعية، تهدف إلى مكافحة التسلل وتهريب المخدرات والأسلحة من جانب حزب الله وغيره من الميليشيات الشيعية.
لم تكن إطلاقاً جزءاً من وضع ردعي أوسع، وتم التأكيد أن الأراضي السورية لن تُستخدم منصات للمواجهة، حيث تؤكد المتطلبات الأمنية الداخلية أن حكومة مشغولة بتأمين جبهتها الداخلية ليست في وارد فتح جبهة جديدة في لبنان أو العراق.
بل إن أي تدخل سوري في لبنان سينطوي على مخاطر جسيمة في الظروف الراهنة، وقد تكون له انعكاسات على الإستراتيجية الإقليمية لواشنطن، حيث قد يتصاعد بسرعة إلى ما يتجاوز المناوشات المحلية.
- التدخل السوري قد يستدرج ردود فعل انتقامية عبر سوريا والعراق وما وراءهما.
- قد يؤجج الديناميات الطائفية في لبنان وعموم بلاد الشام.
- قد يقوض شرعية الدولة اللبنانية في ظل تصاعد الضغوط لنزع سلاح حزب الله.
- نظراً للاحتلال السوري القاسي الذي امتد ثلاثة عقود في لبنان، فإن أي تدخل عسكري سوري جديد سيُنظر إليه على الأرجح باعتباره إكراهاً خارجياً.
استراتيجية سوريا البديلة
بدلاً من التفكير في عمل استطلاعي خارج الحدود، تشير تصرفات الحكومة السورية خلال الأزمة الراهنة إلى ترتيب يتضمن:
- سعي دمشق إلى منع تداعيات الحرب من الامتداد إلى الداخل السوري، ومن هنا جاءت تعزيزاتها المتزايدة على طول الحدود مع لبنان.
- تهدف دمشق إلى الحفاظ على اصطفاف سياسي علني مع الدول العربية وواشنطن، مع رغبة في إعادة تموضع سوريا ضمن المنظومة الإقليمية.
- تحرص دمشق على معالجة الضغوط الداخلية وإدارتها بحذر، خاصة مع التداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران.
التداعيات على السياسة الأميركية
تؤكد هذه التطورات عدة نقاط مهمة للسياسة الأميركية:
أولاً، عدم توقع تدخل عسكري سوري في لبنان في الوقت الراهن، حيث أن مجرد توقعات كهذه تخلق حوافز خطيرة وحسابات خاطئة.
ثانياً، دعم جهود سوريا في تأمين حدودها وتعزيز السيطرة عليها ومنع التهريب والتسلل، مع ضرورة اتخاذ إجراءات أميركية أكثر حزماً حيال ميليشيات العراق.
ثالثاً، العمل على دمج سوريا في إطار إقليمي أوسع لاحتواء إيران، يشمل التنسيق مع الشركاء الأوروبيين ولبنان خلال النزاع الحالي وبعده.
رابعاً، تجنب إثقال العلاقة بمطالب تتجاوز قدرات سوريا، حيث أن الضغط عليها قد يزعزع استقرارها ويفتح الباب أمام عودة تنظيمات مثل داعش.
الخلاصة
من المؤكد أن التوافق مع سوريا لا يزال هشاً ومشروطاً، ويعكس تقاطع مصالح أكثر من كونه تحالفاً رسمياً، حيث قد تبدو فكرة تحويل سوريا الشرع قوة بالوكالة ضد حزب الله مغرية نظرياً، لكنها عالية المخاطر عملياً.
فالحكومة السورية غير مؤهلة عسكرياً وسياسياً لدور كهذا، وتشجيعها على ذلك ربما يعوق النظام الإقليمي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تشكيله، مما يؤكد ضرورة اعتماد مقاربات أكثر واقعية في التعامل مع الأزمة.



