الحرب وتجاهل اليوم التالي: تداعيات الصراع الإقليمي وآفاق المستقبل
الحرب وتجاهل اليوم التالي: تداعيات وآفاق الصراع

الحرب وتجاهل اليوم التالي: تداعيات الصراع الإقليمي وآفاق المستقبل

في خضم العمليات العسكرية، يتحمل المتحاربون آلام الحرب بكل قسوتها، حيث ينصرف اهتمامهم بالكامل نحو تحقيق النصر. وبعد أن تضع الحرب أوزارها، سواء بسبب التعب والإعياء أو اليأس من سحق الطرف الآخر نهائياً، أو عبر تسوية حل وسط للمطالب والأهداف، يجد المحاربون أنفسهم أمام مخلّفاتها الكارثية. فإذا بآلامها والجهد المطلوب لمعالجتها يتجاوزان بكثير أعباء الحرب ذاتها، وهذا ينطبق على الدول كما على الأفراد، حيث يتضاعف الألم بعد أن يبرد الجرح.

حرب الشرق الأوسط: تحولات وأزمات عالمية

الحرب التي لا تزال مشتعلة في الشرق الأوسط تختلف عن كل الحروب السابقة من حيث طول أمدها وتعقيداتها. إذا ما أرّخنا لها بموقعة «طوفان الأقصى»، والرد الإسرائيلي بحرب الإبادة على غزة، واشتعال جبهات عدة كامتداد لها، فهي بعد دخول أميركا وإيران بصورة مباشرة، تحولت إلى حرب إقليمية أنتجت أزمة عالمية، لا ينجو من عصفها أي مجتمع على سطح الكوكب. وإذا ما أضيف إلى ما حدث فيها حتى الآن ما يجري التهديد به، فلا أحد من المتورطين أو المنخرطين في وساطات لوقفها يعرف إلى أين ستصل، دون إهمال ما قيل عن احتمال استخدام سلاح نووي تكتيكي أو ما هو دونه بقليل، حيث التهديد المتبادل بتدمير كل ما تطوله الأسلحة التقليدية المتوفرة.

سوء التقدير والعناد: دوافع الحرب وتداعياتها

حرب كهذه بدأت بسوء تقدير وبفعل العناد المتبادل بين أطرافها، فلا يُستبعد وصول القائمين عليها إلى حالة من فقدان العقل بفعل شراسة الفعل ورد الفعل. وهذا ما حدث مثله تماماً في حرب غزة التي لم يكن الخيال في أكثر حالاته جموحاً يصوّر الفعل الذي كان مبتدأه زلزال «طوفان الأقصى»، وخبره الإبادة التي لم يحدث مثلها على مدى حروب إسرائيل في الشرق الأوسط. هذه الحرب ومهما اتسعت أو تطوّرت، فلا بد من أن تضع أوزارها إما بحسم أحد أطرافها على حساب الطرف الآخر، أو التوقف الاضطراري بفعل التعب والإعياء، أو بتسوية حل وسط ينجح طرف ثالث في بلورته، وتتمكن الدبلوماسية من تحقيق معجزة إقدام أطراف الحرب على تقديم تنازلات متبادلة، كانت أدبيات الحرب تصوّرها مستحيلة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

اليوم التالي: تحديات ما بعد الحرب

إذا ما حدث ذلك وتوقفت الحرب، فسيعود الجميع إلى ما كان نُسي أو جرى تناسيه في أثناء اشتعالها، وهو ما يُتفق على تسميته عادةً باليوم التالي. في هذا اليوم تزدهر روايات النصر حيث اللغة والقرائح كفيلتان بتأليفها نظراً لإلحاحية استخدامها لتبرير ما حدث، ولاكتساب شرعية البقاء في سُدّة الحكم لمعالجة آثارها. ومن الذي ينسى المصطلح الذي ساد بعد هزيمة يونيو (حزيران) 1967: «ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة مع أولوية إزالة آثار العدوان».

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

إسرائيل وإيران وأميركا: مواجهة اليوم التالي

إسرائيل المنتصرة التي فازت في الحرب أخفقت في معالجة اليوم التالي، حين أدار الانتصار السهل رؤوس قادتها معتبرين ما حدث على أنه حسم نهائي للصراع مع العرب، فإذا باليوم التالي يُنتج مقاومة فلسطينية شرسة، وسلسلة حروب صغيرة وكبيرة، غاب عنها شرط الحسم الوحيد الذي هو الحل السياسي. في هذه الحرب لا بد من أن يواجه أطرافها اليوم التالي بما يحتوي من معضلات لا تُعالج على طريقة نزع الشعرة من العجين، أو ما كان بالأمس لا أثر له على اليوم والغد.

أميركا العرّاب الأكبر والأقوى لهذه الحرب ومعها ذراعها الإسرائيلية القوية كذلك، فإن وجدتا تعويضاً عن المال الذي أنفقتاه فيها، فلن تجدا علاجاً للخسارات السياسية التي مُنيتا بها، خصوصاً بعد أن دخلتا حرباً طويلة الأمد من دون تحقيق نتائج حاسمة تبرر كل الخسارات التي بُذلت في سبيلها. وإيران حيث قصائد النصر أُلّفت مبكراً بفعل بقاء النظام على قيد الحياة، والقدرة على إرهاق «الشيطان الأكبر» وتابعه الأصغر، في حربٍ لم يُقّدرا كم ستطول.

إيران كانت قبل هذه الحرب تئّن تحت وطأة حصار دولي خانق أنتج جوعاً وعطشاً وفقراً في بلد من أغنى بلدان العالم وفي شعب ذي حضارة عريقة، ستجد نفسها في اليوم التالي تجاهد بصعوبة للعودة إلى ما كانت عليه قبل الحرب. وفي حال استمرار الحصار والعقوبات فلنا أن نتخيل حجم الصعوبة المُشرفة على الاستحالة في معالجتها. إسرائيل و«حزب الله» مهما بلغا من القوة أو الضعف، فإن فاتورتهما مُلحقة بفاتورة المعلمين الكبار، حيث اليوم التالي بالنسبة إليهما على فداحته وكبر معضلاته، فهما في الواقع فرع من أصل، وأوضح ما يخص إسرائيل المتباهية والمدّعية أن ما كان قبل الحرب وفي أثنائها لن يكون كما بعدها، والأمر ليس مجرد إزالة مخلّفات القصف الذي طال المدن والقرى، بل مواجهة واقع إقليمي ودولي مختلف، هو بجملته وتفاصيله، ليس في مصلحة هيمنتها ونفوذها القديم.

كانت إسرائيل قبل هذا الفصل من الحرب في عزلة، ولم يحدث ما يخرجها منها. هذا المقال يسلط الضوء على أهمية النظر إلى ما بعد الحرب، حيث تتجلى التحديات الحقيقية في معالجة الآثار الطويلة الأمد والبحث عن حلول سياسية مستدامة.