إيران: العدو الأكبر للدول العربية وليس الخليج فقط
في تحليل عميق للعلاقات الإقليمية، يرى بعض المثقفين والمعلقين أن النظام الإيراني يشن حرباً على دول الخليج، لكنه ليس بالضرورة عدواً للدول العربية. يقولون إن الخليجيين يريدون جرّ الدول العربية إلى عداء مجاني مع النظام الإيراني. ومع ذلك، فإن الواقع يشير إلى أن طهران تعدو للعرب أكثر من الخليجيين أنفسهم، حيث أن ضررها أكبر على عواصم عربية منه على عواصم خليجية. وهناك سببان رئيسيان يدعمان هذا الرأي.
السبب الأول: اختراق السيادة العربية
استغل النظام الإيراني هشاشة بعض الدول العربية، وتغلغل فيها واحتلها عملياً، وهو ما لم يحدث في دول الخليج. فعلى سبيل المثال، تضررت دول عربية بشكل كبير من النظام الإيراني، بما لا يُقاس بما حدث في دول الخليج. فالأضرار التي تسببت بها الصواريخ والمسيّرات أضرار مادية مؤقتة يمكن إصلاحها. وقد كشفت الحرب أن لدى دول الخليج دفاعات جوية متطورة قادرة على حماية أراضيها، ومن المؤكد أنها ستخرج منتصرة من هذه الحرب مع نظام إيراني مهزوم ومدمر.
ظلت دول الخليج عصية على الاختراق الإيراني، رغم محاولات زرع خلايا وتنفيذ عمليات إرهابية، وبقيت منيعة. وكان عداء النظام الإيراني لدول الخليج، طيلة عقود، مصدر قلق، لكنه لم يعطلها اقتصادياً، ولم يخطف قرارها السياسي. في المقابل، تضررت دول عربية أخرى بشكل كبير من إيران.
أمثلة على الدول العربية المتضررة
- العراق: بعد عام 2003، استغلت طهران الفراغ السياسي والأمني، وبنت شبكة نفوذ عميقة داخل الدولة، مما أضعف السيادة الوطنية.
- لبنان: ربط حزب الله القرار اللبناني بالمشروع الإيراني الإقليمي، مما أدى إلى تعطل مؤسسات الدولة وانهيار اقتصادي.
- سوريا: تدخل الحرس الثوري الإيراني بشكل مباشر، واستبيحت الأراضي السورية عبر ميليشيات طائفية.
- فلسطين واليمن: إيران عدوة لهذه الدول أكثر من الخليج الذي حمى سيادته ومقدراته.
السبب الثاني: إضعاف الهوية الوطنية
استطاعت طهران أن تُضعف الهوية الوطنية، وتستثمر في الهوية الطائفية، وتخلق صراعات داخل أبناء البلد الواحد. نجحت في ذلك في دول عربية، وفشلت في الدول الخليجية. أضعفت طهران الحس الوطني، وعززت الحس الطائفي، حيث نشاهد بعض مواطني دول عربية يشعرون بالولاء لعلي خامنئي وحسن نصر الله وقاسم سليماني أكثر من ولائهم لدولهم.
استطاعت طهران أن تبني منظومة موازية لها في هذه الدول، من مدارس وإعلام ومؤسسات اجتماعية، خلقت دولة داخل دولة، ومجتمعاً داخل مجتمع. وربطت هذه المجتمعات بعقيدة آيديولوجية مشحونة بشعارات التضحية والشهادة لمشروعها. كانت النتيجة كارثية؛ إذ وضعت أبناء البلد الواحد في مواجهة بعضهم البعض.
مقارنة مع دول الخليج
لم يحدث ذلك في دول الخليج التي حاربت المتطرفين المرتبطين بالمشروع الإيراني، وعززت الهوية الوطنية. كما أن قوة الدولة والتنمية الاقتصادية في الخليج تمنعان تشكل ولاءات عابرة للحدود. عندما أقول الخليج، لا أقصد المواطنين فقط، بل كل من يعيش على أرضه من جنسيات عربية وأجنبية، وحتى إيرانية. الخليج، في النهاية، مفهوم حضاري لا يرتبط بهوية ضيقة، بل نموذج قائم على قوة الدولة، والنجاح الاقتصادي، والتسامح الديني، والانفتاح الاجتماعي، والارتباط بالعالم الحديث.
أنا ضد التقسيمات الشوفينية، لكن المفارقة أن هؤلاء المثقفين والمعلقين هم من يمارسونها حين يصطفون مع إيران. الحقيقة الماثلة أمامهم هي أن خطر النظام الإيراني وعداءه للدول العربية أوسع وأشرس وأخطر من عدائه لدول الخليج. فلماذا إذن يصفقون له؟ هذا المقال يسلط الضوء على هذه الحقائق الهامة في العلاقات الإقليمية.



