إيران وسياسة تحويل لبنان إلى أرض محروقة: تحليل متعمق للأزمة
في خضم الحرب المستعرة في منطقة الشرق الأوسط، يجمع المراقبون والمحللون على صعوبة التنبؤ بمآل الصراع الدائر وكيفية انتهائه. هذا الغموض يتعمق مع مشاهدات العالم لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي أعلن القضاء على ما يقارب 100% من القوة القتالية الإيرانية، بينما ترد إيران بإطلاق المسيرات والصواريخ المتوسطة المدى، نافية طلب وقف الحرب. في هذا السياق، اتصلت ببروفسور في العلاقات الدولية بجامعة أكسفورد لمحاولة فك شفرة الأحداث.
قواعد الحرب والتحليلات الاستراتيجية
قبل أن أوجه أسئلتي، عبر البروفسور عن سعادته باللقاء واستعداده لتبادل الأفكار، مشيراً إلى أن الحقيقة الحصرية تكمن في عقل ترمب، وهو أمر مستحيل اختراقه. شرحت له رؤيتي لقواعد الحرب، والتي تتلخص في عمليات عسكرية مشتركة أمريكية-إسرائيلية تهدف إلى القضاء على النظام الإيراني عبر الاغتيال والتدمير والاستنزاف، بينما ترد إيران بقصف دول الخليج وإسرائيل وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، مما يؤثر على الاقتصاد العالمي ويضغط على الإدارة الأمريكية.
أجاب البروفسور بأن هذه المشاهدات معروفة، لكنها ليست قواعد حرب بالمعنى الدقيق، بل حرب ذات نتائج متوقعة بسبب التفوق العسكري الأمريكي الساحق. وأضاف أن الرد الإيراني مجرد محاولات للبقاء، مما يطيل أمد الحرب دون تغيير نتيجتها النهائية.
أهداف ترمب ومستقبل النفوذ الإيراني
وفقاً للبروفسور، لا يسعى ترمب إلى تقويض النظام الإيراني كلياً، بل إلى تحجيم قدراته ونفوذه في المنطقة، مما يعني القضاء على ذراعه في لبنان، حزب الله، في معركة قاسية بسبب تداخل مقاتليه مع المدنيين. كما توقع القضاء على الحوثيين بقصف مرعب، معتبراً أن ترمب قد يضيف إلى إنجازاته احتلال جزيرة خرج، حيث تخزن إيران 95% من نفطها.
عندما أشرت إلى ضغوط الوقت والأسواق والأوروبيين، توقع البروفسور انتهاء العمليات العسكرية مع إيران قبل نهاية أبريل الحالي، مؤكداً أن ترمب لا يأبه للضغوط الأوروبية ويستطيع احتواء المعارضة الشعبية المحدودة في الداخل الأمريكي.
مأساة لبنان: حرب طويلة ودمار شامل
سألته عن مصير الحرب مع حزب الله في لبنان، فأجاب بأسف أن الحرب هناك ستستمر طويلاً بعد توقفها في إيران، وأن تصرفات الحزب ستجلب الويلات للبنان وبيئته. واختتم حديثه بتفاؤل، قائلاً إن هذه قد تكون آخر حروب الشرق الأوسط، تليها فترة استقرار ونهضة، حتى أن المنطقة قد تصبح "أوروبا الشرق".
وجه آخر للصورة: دور حزب الله في انهيار لبنان
بعد هذا التحليل، لا يمكن تجاهل الدور المدمر لحزب الله في لبنان، الذي تجاوز الخيارات السياسية ليدفع البلاد إلى حافة الانهيار الكامل. فمنذ سنوات، دخل الحزب في حروب تتجاوز حدود الدولة، ربطاً لمصير لبنان بصراعات لا طاقة له عليها، مما أدى إلى تآكل المؤسسات وانهيار الاقتصاد وعزل البلاد عن محيطها العربي والدولي. هذا المسار يخدم المصالح الإسرائيلية بشكل غير مباشر، بإضعاف الدولة اللبنانية وتفكيكها.
السؤال الأخطر: ما تبقى من لبنان؟
في خضم الحرب، يصبح السؤال الأخطر ليس فقط كيف ستنتهي المواجهة، بل ما الذي سيتبقى من لبنان بعدها. مع تصعيد عسكري قد يدفع إسرائيل إلى فرض وقائع ميدانية جديدة تحت عنوان الأمن، مثل اقتطاع أجزاء من الجنوب، مما يعني تحول مناطق إلى أرض محروقة خالية من السكان. هنا، تظهر النتائج الميدانية متقاطعة مع خيارات حزب الله السياسية، حيث يبدو أن ما عجزت عنه إسرائيل في حروب سابقة قد يتحقق اليوم بفعل الانهيار الداخلي.
الصمت المتواطئ: دور النخب السياسية
لا يمكن إغفال دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يظهر في موقع المتواطئ بالصمت، بدلاً من السعي لإعادة القرار السيادي إلى مؤسسات الدولة. هذا يستمر في تثبيت معادلة تجعل لبنان ساحة مفتوحة تُدار وفق حسابات إقليمية لا تعكس مصلحة اللبنانيين.
المشروع الأوسع: إيران واستنزاف لبنان
في المحصلة، يتجاوز ما يجري مجرد صراع عسكري إلى مشروع أوسع، حيث تسعى إيران عبر أدواتها إلى إبقاء لبنان في حالة استنزاف دائم، بل إلى تحويله إلى أرض محروقة إذا اقتضت الحاجة، يكون وقودها حياة اللبنانيين واقتصادهم ومستقبلهم. هذه المأساة ليست نتيجة حرب مفروضة فحسب، بل نتيجة خيارات داخلية جعلت لبنان ساحة لصراعات الآخرين، بدلاً من أن يكون دولة قادرة على حماية نفسها.
وهكذا، يؤكد حزب الله مرة أخرى أنه عدو للبنان، ولا يمانع في جعل جنوب لبنان أرضاً من دون شعب وحجر وشجر، في مشهد مأساوي يلخص تراجيديا الصراع الإقليمي.



