الحي ما يقابل الميت: السعودية والخليج ترفضان الانخراط في حرب غير محسوبة
في موقف واضح وحاسم، أكدت المملكة العربية السعودية، بالتعاون مع دول الخليج العربي، على رفضها تحويل المنطقة إلى ساحة لحرب لم تشارك في قرارها. وقد اختارت هذه الدول منذ البداية الحفاظ على مسافة آمنة بينها وبين الخيار العسكري الأميركي، معتبرة أن التجارب القريبة لعبت دورًا محوريًا في تشكيل هذه القناعة الراسخة.
دروس الماضي وتكاليف الحروب السابقة
فمن المعروف أن حروبًا واعتداءات سابقة كشفت حدود الضمانات الأميركية، حيث دفعت دول الخليج أثمانًا باهظة لصراعات لم تبدأها ولم تؤيدها. هذا التاريخ المرير يسلط الضوء على أهمية تجنب الانزلاق إلى مواجهات عسكرية غير محسوبة العواقب.
ومع ذلك، فإن التصعيد الإيراني الأخير يفرض مطالبًا ملحة بإنهاء مصادر التهديد في المنطقة. هذا لا يعني تحولًا نحو الانخراط المباشر في الحرب، بل يعكس إدراكًا عميقًا لخطورة بقاء التهديد قائمًا، وخطر أن تغادر واشنطن المواجهة بأنصاف حلول أو بفراغ غير محسوب، كما حدث في تجارب سابقة مثل أفغانستان والعراق.
الأبعاد المتعددة للأمن والاستقرار
المسألة في جوهرها ليست عسكرية فقط، بل هي سياسية واقتصادية أيضًا. فدول الخليج اليوم لم تعد تنظر إلى الأمن بمعزل عن الاستقرار الداخلي ومشاريع التنمية الكبرى، التي ترتبط بها مصالح شعوبها ومستقبل أجيالها. أي انزلاق إلى حرب مفتوحة يعني تهديدًا مباشرًا لهذه المشاريع، وتعطيلًا لمسارات النمو، والدخول في دائرة استنزاف طويلة يصعب الخروج منها.
ولهذا، فإن القرار هنا يجب أن يُبنى على قراءة أوسع ترى أن حماية المكتسبات أهم من المغامرة بها، وأن الاستقرار خيار استراتيجي واعٍ في محيط لا تنقصه المزيد من الحروب. الخيار السعودي، في النهاية، ليس هو الخيار الأميركي؛ فبينما تفكر واشنطن بمنطق الحسم العسكري، تتحرك الرياض بمنطق مختلف، أقرب إلى الصبر الاستراتيجي منه إلى الاندفاع العسكري.
الحكمة التاريخية والرؤية المستقبلية
لأن السعودية تعي أن المعركة الحقيقية تكمن في مواصلة مسيرة النمو، وفي منع الحرب من أن تُفرض عليك بالشكل الذي يريده غيرك. ولعلنا اليوم أحوج ما نكون إلى تذكر حكمة الملك عبدالعزيز -غفر الله له- عندما دعاه خصمه لمبارزته، فكان رده الحكيم: "الحي ما يقابل الميت". هذه العبارة تختصر فلسفة السعودية والخليج في التعامل مع التحديات الأمنية، مؤكدة على أولوية الحياة والاستقرار على المغامرة والمواجهة غير المحسوبة.



