بعد شهر من الحرب.. كيف يصوغ الخطاب الإيراني الداخلي سردية الصمود الشامل؟
مرّ شهر كامل على الحرب الإسرائيلية – الأمريكية ضد إيران، وكذلك على الاعتداءات الإيرانية المتكررة على دول مجلس التعاون الخليجي، دون أن يبرز أي أفق واضح يشير إلى نهاية محتملة للمواجهات العسكرية المستمرة. رغم الجهود الدبلوماسية النشطة التي تبذلها باكستان في نقل الرسائل بين واشنطن وطهران، وتواصلها المستمر مع الرياض والعواصم المهمة بالتنسيق مع أنقرة والقاهرة، يبقى الهدف الأساسي احتواء التصعيد والتمهيد لحل سياسي قابل للتطبيق.
البناء الداخلي لسردية الصمود الشامل
في هذا السياق المتوتر، وتحديداً فيما يتعلق بـ"الجبهة الداخلية"، سعت إيران الرسمية إلى بناء سردية داخلية موجهة بشكل أساسي إلى مواطنيها. تجلت هذه السردية بوضوح في الخطاب الأحدث لمرشد الثورة الإيرانية مجتبى خامنئي، والمعنون "رسالة نوروز 1405" الذي ألقاه في 20 آذار/مارس الماضي.
يظهر الخطاب أن القائد الجديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية اختار منذ بداية عهده تأطير المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة "صمود شامل"، وهذا يتضح جلياً من العنوان الذي منحه للعام الجديد: "الاقتصاد المقاوم في ظل الوحدة الوطنية والأمن الوطني".
اقتصاد مقاوم في معادلة أمنية متكاملة
هذه الصياغة السياسية بامتياز تتجاوز كونها مجرد شعار تعبوي جماهيري، لأنها تضع الاقتصاد داخل معادلة أمنية وسياسية متكاملة. المقصود من هذه الصياغة التي أطلقها المرشد الثالث ليس معالجة الاختلالات الاقتصادية بطرائق إدارية تقليدية، وإنما تحويل الاقتصاد إلى وظيفة من وظائف الثبات الداخلي أثناء الحرب.
يأتي هذا التحول في ظل مواجهة الضغوط الخارجية المتصاعدة بسبب الحرب الإسرائيلية – الأمريكية التي دمرت الكثير من القدرات العسكرية والبنى التحتية الإيرانية. الأكثر دلالة في الرسالة الثانية للمرشد مجتبى خامنئي، أنه لا يرى ما مرت به إيران خلال الأشهر الفائتة باعتباره أزمة واحدة، بل يعيد تنظيمه مرحلياً قائلاً: "في العام الماضي خاض شعبنا العزيز ثلاث حروب عسكرية وأمنية"، مضيفاً: "الحرب الثالثة هي الحرب التي نحن الآن في وسطها".
توسيع مفهوم التهديد وتشديد الانضباط الداخلي
هذه التراتبية في النظرة لما مرت وتمر به إيران تعكس إدراكاً من القائد الجديد بأن الحرب أبعد من مجرد فعل عسكري وحسب، وإنما أداة أكثر تأثيراً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وأمنياً. يراد منها إحداث تغييرات بنيوية عميقة في النظام الحاكم وأيضاً في نظرة الشعب الإيراني وعلاقته بالنخبة الحاكمة ومؤسساتها.
خامنئي الابن بهذه المقولة يريد توسيع مفهوم "التهديد" الذي يواجه الدولة، بحيث يشمل الداخل والخارج في وقت واحد، ويمنح النظام أساساً لتبرير تشديد الانضباط الداخلي والقبضة الحديدية. كما يربط وحدة المجتمع بضرورات البقاء، باعتبار أن الجغرافيا الإيرانية ككل مهددة بـ"التفكك" وليس نظام "ولاية الفقيه" وحده، وفق الرؤية التي يتبناها الخطاب الرسمي.
التماسك المجتمعي والاستعداد للمرحلة المقبلة
هذا التركيز على مخاطر "السيطرة" و"التفكيك" يخاطب وجدان الإيرانيين وذاكرتهم التاريخية، ما يدفعهم إلى مزيد من المحافظة وعدم الانخراط في نشاطات مناوئة للنظام حتى لو كانوا على خلاف معه أو ناقمين عليه. الخوف من تكرار تجارب قديمة، عانت فيها إيران ما قبل الثورة من محاولات للتمرد على حكومتها المركزية، يجعل الشعب يعتبر أن بقاء "الهوية الإيرانية" موضوعاً محل إجماع، وإن كانت "ولاية الفقيه" لا تحظى بالقبول من عموم الإيرانيين.
ولتحقيق هذا التماسك، نجد أن مجتبى خامنئي يثني على المجتمع لأنه "جمع الصيام إلى الجهاد" ولأنه أقام "خطاً دفاعياً واسعاً على امتداد البلاد". ثم يمضي المرشد أبعد من ذلك بقوله: "في الوقت الحاضر، وبفعل وحدة عجيبة نشأت بينكم أيها المواطنون على اختلاف منابتكم الدينية والفكرية والثقافية والسياسية، حدث انكسار في العدو".
تساؤلات ما بعد الحرب واستحقاقات المستقبل
كل ما سبق يطرح سؤالاً مصيرياً: ما الذي سيحدث في اليوم التالي حينما تقف الحرب؟ ساعتها سيخرج الإيرانيون عن الصمت ليطرحوا علناً الأسئلة الكبيرة حيال المستقبل المجهول، ودور سياسات النظام في الانسداد الحاصل. ستكون الاستحقاقات أكثر تعقيداً، لأن المساءلة ستصبح صريحة وعلنية، وسيتعين على النظام الإيراني مواجهة أسئلة شعبية حول التكاليف الباهظة للحرب والمسار المستقبلي للبلاد في مرحلة ما بعد الصراع العسكري المباشر.



