إسرائيل تشن حرباً خاصة في لبنان: أهداف متعددة واستراتيجيات متشعبة في سياق الصراع الإقليمي
لا تتعاطى إسرائيل مع الحرب التي تشنها ضد لبنان باعتبارها جزءاً من الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران فقط، بل تعتبرها حرباً خاصة بها، تستند إلى اعتبارات وجودها وأمنها ورؤيتها لذاتها. هذا التوجه يأتي في إطار تاريخ العلاقة المتوترة بين لبنان وإسرائيل، سواء في حقبة الوجود الفلسطيني المسلح أو في حقبة صعود حزب الله وهيمنته على قرار الحرب والسلم في لبنان.
الفرصة السانحة: إعادة التموضع في المشرق العربي
ترى إسرائيل أن المعطيات الدولية والإقليمية والعربية الراهنة، الناجمة عن عملية طوفان الأقصى، تشكل فرصة سانحة يجب اقتناصها. الهدف ليس فقط تعزيز الأمن واستعادة الصورة كدولة رادعة، بل أيضاً إعادة تموضع إسرائيل كطرف مهيمن في المشرق العربي وربما في عموم الشرق الأوسط. هذا يأتي بعدما ظلت إيران لعقدين من الزمن (2003-2023) تتحداها وتنافسها على تلك المكانة، مما يدفع إسرائيل إلى استغلال الظروف الحالية لتحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.
ثلاث مسائل رئيسية في الحرب المتعددة الأطراف
يمكن ملاحظة ثلاث مسائل رئيسية على خلفية الحرب المشتعلة:
- المسألة الأولى: إسرائيل، وهي تخوض حرباً متعددة الأطراف، لا تربط تماماً بين مسارات الحرب ضد هذا الطرف أو ذاك. لكل طرف أجندة خاصة، ما يعني أن وقف الحرب الأميركية ضد إيران لا يعني وقف الأجندة الإسرائيلية إزاء لبنان. تشمل هذه الأجندة التخلص من القدرات العسكرية لحزب الله، وفرض منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، ومنطقة آمنة خالية من السلاح إلى حدود نهر الليطاني، مع مستتبعات سياسية بين لبنان وإسرائيل. هذه الأجندة هي ذاتها التي تشتغل عليها إسرائيل إزاء سوريا، مما يعكس استراتيجية متكاملة في المنطقة.
- المسألة الثانية: إسرائيل تخوض حرباً متعددة الأطراف، وكأنها استعارت شعار وحدة الساحات الذي أشهرته أطراف محور المقاومة والممانعة. هذا يحاول تأكيد مكانتها كقوة عظمى رادعة وكمالك حصري لقرار الحرب والسلام في المنطقة، مما يعزز دورها كفاعل رئيسي في الصراعات الإقليمية.
- المسألة الثالثة: تحاول إسرائيل استثمار الظروف الراهنة إلى أقصى حد، بما في ذلك سياسات إيران المتهورة، ليس فقط لجر الولايات المتحدة إلى حرب مباشرة ضد إيران، بل أيضاً لجذب أوسع مشاركة دولية وإقليمية وعربية في تلك الحرب. بمعنى آخر، إسرائيل الصغيرة تستخدم جيوش غيرها لتنفيذ ما تريده وفقاً لمصالحها وأولوياتها، مما يوسع نطاق تأثيرها ويقلل من تكاليفها المباشرة.
طوفان الأقصى: محطة مفصلية في الصراع الإقليمي
منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وتسليمه لإيران عبر ميليشياتها الطائفية المسلحة، بدت إيران كأكثر طرف فاعل في المشرق العربي واليمن لعقدين من الزمن. هذا الوضع أتى وفق معادلة الاستثمار الأميركي والإسرائيلي في السياسات الإيرانية، وهي فترة السماح التي أفضت إلى تصديع بنى الدولة والمجتمع في بلدان المشرق العربي. إسرائيل ظلت تنظر بعين الحذر إلى تلك المعادلة، خصوصاً أن إيران حاولت الخروج من السقف المحدد لها بسعيها إلى تعظيم قدراتها العسكرية النووية والصاروخية والميليشياوية.
بعد عملية طوفان الأقصى عام 2023، انتهت فترة السماح أو الاستثمار، وباتت الشروط المطلوبة من إيران لوقف الحرب تشمل حرمانها من القدرة على إنتاج طاقة نووية، وحرمانها من ترسانتها من الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعمها لأذرعها الميليشياوية، خصوصاً حزب الله في لبنان. هذا يعكس تحولاً جوهرياً في الاستراتيجيات الإقليمية، حيث تسعى إسرائيل إلى إعادة رسم الخريطة الأمنية لصالحها.
السباق مع الزمن: فرض وقائع في الميدان اللبناني
الآن، تحاول إسرائيل في سباق مع زمن الحرب، سواء استمرت أم توقفت، فرض وقائع في الميدان في لبنان. هذا يشمل الاستمرار في تدمير البنى التحتية لحزب الله، سواء في شقها العسكري أو المالي أو السياسي، وخلق مشكلات كبيرة للبيئة الحاضنة لحزب الله. يتجلى ذلك من خلال تدمير عمران جنوبي لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، وتفكيك هذه البيئة لضمان عدم تكتلها.
يشمل ذلك أيضاً التوغل في الأراضي اللبنانية، بما يصل ربما إلى حدود الليطاني، لفرض منطقتي العزل كمجال حيوي آمن لا يتيح أي عودة لحزب الله. إسرائيل تشتغل في اتجاهين في لبنان: باعتباره جزءاً من الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، وباعتباره تحدياً بحد ذاته لإسرائيل. هذه هي معضلة لبنان في هذه الحرب، وقبلها وبعدها، مما يسلط الضوء على التعقيدات الجيوسياسية التي تواجه المنطقة.



