استراتيجية إيران الدفاعية تتهاوى تحت الضربات الأمريكية والعزلة المتزايدة
تواجه إيران ضربات عسكرية قوية في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل عليها منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، حيث فقدت غالبية قواتها الجوية والبحرية، وأصبحت أجواؤها مفتوحة لمقاتلات وقاذفات الطرف الآخر التي تقصف أينما ومتى شاءت.
تدمير ممنهج للقدرات العسكرية
يؤدي القصف العنيف والمتواصل، تقريباً على مدار الساعة، لمراكز القيادة للقوات الإيرانية بكل أفرعها وقطاعاتها وقوات الباسيج وأهم الفرق العسكرية على كامل الأراضي الإيرانية، إلى إضعاف قدرات طهران القتالية شيئاً فشيئاً يومياً. كما يتم تدمير ممنهج لجميع مصانع ومراكز أبحاث الدولة التي تغذي الآلة العسكرية للنظام وتزودها بما تحتاجه، الأمر الذي يزيل سنوات طويلة ومليارات من الدولارات من الاستثمارات في بناء قدرات دفاعية محلية.
وأكثر ما يقلق النظام أن قوات التعبئة التي يعتمد عليها، والمعروفة باسم الباسيج، تُستهدف استهدافاً مركزاً ومتواصلاً، ما سيؤثر على قدرتها على حماية النظام ومواجهة التحركات الداخلية المحتملة فور انتهاء الحرب. فبالنسبة للنظام، التهديد الداخلي هو الأخطر عليه، إذ إنه وحده يستطيع إسقاطه.
استراتيجية أمريكية للمرحلة المقبلة
حدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجيته للمرحلة المقبلة وعنوانها فرض السلام بواسطة القوة. هذا يعني أن الحرب ستستمر بالتوازي مع المفاوضات التي حدد فيها ترامب شروطه ضمن ما يُعرف بالبنود الـ 15. فإذا ما وافق النظام الإيراني عليها، أو على أهم ما فيها مثل إنهاء البرنامج النووي ووقف التخصيب وتقليص البرنامج الصاروخي ووقف دعم الوكلاء في المنطقة وفتح مضيق هرمز، فسيكون هناك اتفاق سلام ورفع للعقوبات وينجو النظام بنفسه، إنما يكون قد وافق على تغيير سياساته.
أما إن ماطل النظام، فالعمليات العسكرية ستشهد تطورات دراماتيكية قد تشمل عمليات برية واحتلال جزر وربما أراضٍ إيرانية، والسيطرة على مقدرات الجمهورية الإسلامية الاقتصادية. ومما تسرب حتى الآن من معلومات، فإن النظام الإيراني يريد التفاوض وإنهاء الحرب بأسرع ما يمكن للحد من الخسائر اليومية التي لا يملك أي قدرة على وقفها. لكن يسعى النظام إلى وسيلة للخروج من الحرب بطريقة يستطيع أن يسوّقها على أنها انتصار، وهذه ستشكل مشكلة قد تطيل أمد التفاوض.
أدوات القوة الإيرانية وتحدياتها
تعتمد استراتيجية إيران الدفاعية على ثلاث أدوات قوة: ترسانة الصواريخ الباليستية، إغلاق مضيق هرمز، وتهديد منشآت النفط والغاز لدول الخليج. ويبدو أن ترسانة الصواريخ الباليستية كانت أكبر حجماً وأكثر تقدماً وأفضل تحصيناً مما كان يُعتقد لدى الطرف الآخر. فقد أطلقت إيران حتى تاريخه أكثر من ألفي صاروخ باليستي على إسرائيل ودول الخليج والقواعد الأمريكية في المنطقة.
ورغم القصف الشديد للطرف الآخر وتمكنه من تدمير العديد من منصات الإطلاق ومخازن الصواريخ، تستمر إيران في إطلاقها، وتحديداً من قاعدتين محصنتين بأنفاق داخل الجبال لم تستطع القنابل الخارقة للتحصينات اختراقها، وهما في منطقتي يزد وتبريز. كما أن إطلاق الصاروخين على دييغو غارسيا كشف عن العمل الذي كانت تقوم به إيران لزيادة مدى صواريخها حتى 4000 كلم، ما أثار مخاوف الدول الأوروبية.
واستخدمت إيران رؤوساً حربية متنوعة لصواريخها مثل الانشطارية والمتعددة الرؤوس، ما كشف عن حجم التقدم الذي بلغته، الأمر الذي سيؤدي إلى تصميم واشنطن وتل أبيب على وضع حد للبرنامج الصاروخي أو إنهائه.
عزلة إيران وتأثيراتها
قوة الضغط الثانية لإيران هي إعاقة الملاحة في مضيق هرمز. فطهران لم تقم بإغلاق المضيق لأنها بحاجة إلى بيع نفطها، كما أنها فقدت القدرة على تلغيم المضيق بفعالية نتيجة خسارتها لسفنها الحربية المخصصة لذلك. وهي تعمل أيضاً على تهديد منشآت النفط والطاقة في دول الخليج لزيادة منسوب الضغط على واشنطن وابتزاز المجتمع الدولي.
لكن خطوات إيران المضادة تنقلب عليها تدريجياً بسبب تأثير تهديد مضيق هرمز على الأمن الدولي وازدياد غضب الدول عليها، ما سيمكن واشنطن من تشكيل تحالف عسكري ضدها. كما أن صور الدمار والخسائر التي تُلحقها صواريخها بإسرائيل تخدم آلة الإعلام الإسرائيلية وتمكن الحكومة الإسرائيلية من كسب تأييد داخلي أكبر لحربها وأجندتها بإسقاط النظام ونشر الفوضى في إيران.
وتقف إيران اليوم وحيدة في مواجهة آلة الحرب الأمريكية، وحرب الإسناد التي أطلقها "حزب الله" في لبنان والحشد الشعبي في العراق لا تؤثر بأي شكل في مجريات الحرب، بل تجلب فقط الدمار والقتل إلى حيث هي. وعليه، فإن وضع النظام الإيراني صعب ويزداد وهناً يومياً رغم سقف خطاباته العالية، واستراتيجية دفاعه تتآكل وتنقلب عليه بسبب عزلته وقوة خصمه.



