الأردن يبرهن على حكمة موقفه الحذر تجاه إيران في خضم الصراعات الإقليمية
يتضح يوماً بعد يوم، مع تصاعد وتيرة الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، أن النهج الأردني المتسم بالحذر والتروي في التعامل مع النظام الحاكم في طهران كان دائماً على صواب. هذا الموقف ليس وليد اللحظة، بل هو سياسة راسخة اعتمدتها المملكة الأردنية الهاشمية منذ قيام «الجمهورية الإسلامية» في إيران عام 1979، أي على مدى 47 عاماً، حيث كانت الأردن تدرك تماماً التأثيرات العميقة لهذا الحدث على استقرار المنطقة بأكملها.
جذور السياسة الأردنية: رؤية استباقية للتحديات الإيرانية
لم يكن من الممكن تجاهل الشعار الذي رفعته إيران منذ تأسيسها، وهو «تصدير الثورة»، حيث لم يعترف مؤسسو النظام بأي حدود جغرافية لطموحاتهم. لقد سعوا إلى مد نفوذهم إلى دول الجوار، مع تركيز خاص على العراق، وهو ما تحقق بشكل مفارق في عام 2003 بفضل التدخل الأمريكي الذي تبنى نظريات إيرانية حول تغيير نظام الحكم هناك.
في هذا السياق، لعبت الأردن دوراً محورياً في دعم العراق لمواجهة الهجمات الإيرانية، حتى بعد غزو الكويت عام 1990، الذي أعاد تأهيل إيران بدلاً من مواجهتها بجبهة خليجية موحدة. حافظ الأردن على ثباته الإقليمي، رغم الخسائر التي تكبدها، مؤكداً على أهمية الحذر من السياسات الإيرانية، خاصة بعد تسليم العراق للولايات المتحدة عام 2003، مما أخل بالتوازنات الإقليمية.
الجولة الخليجية للملك عبدالله الثاني: تضامن عملي لا يقتصر على الكلمات
جاءت الجولة الأخيرة للملك عبدالله الثاني في دول الخليج، والتي شملت لقاءات مع قادة الإمارات وقطر والبحرين، في وقت حرج حيث كانت إيران تستهدف دولاً مسالمة لها علاقات تاريخية مع الأردن. أظهرت هذه الزيارات شجاعة كبيرة، مؤكدة أن تضامن الأردن مع حلفائه ليس مجرد خطاب، بل يدعم بالأفعال الملموسة، مما عزز من مكانة المملكة كعمق استراتيجي للخليج العربي.
ليس سراً أن الأردن نفسها تتعرض لاعتداءات إيرانية غير مبررة، حيث ترى إيران في توسيع الحرب مصلحة لها. هذه الاعتداءات، بما في ذلك تلك الموجهة نحو سلطنة عُمان التي سعت لمنع الحرب، تكشف عن إفلاس في السياسة الإيرانية، مما دفع دولاً مثل السعودية إلى طرد دبلوماسيين إيرانيين وتحذير النظام من عواقب أفعاله.
آفاق المستقبل: ضرورة تعزيز التنسيق العربي في مواجهة التحديات
تدفع إيران، عن قصد أو دون وعي، الدول الخليجية إلى مزيد من التعاون والتنسيق مع الأردن، الذي ظل حاضراً بقوة في قضايا الأمن الإقليمي. كشفت الأحداث الأخيرة صحة السياسة الأردنية القائمة على الحذر، حيث لم يتغير شيء منذ عام 1979 وحتى حرب 2026، ولا يزال الأردن يمثل ركيزة أساسية للاستقرار في المنطقة.
بغض النظر عن نتائج الحرب الحالية، فإن هناك حاجة ملحة لتعزيز التنسيق بين دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، خاصة في ظل عدم ضمان عودة إيران إلى وضعها الطبيعي كدولة مسالمة. لا بديل عن استمرار الحذر العربي، على النمط الأردني، في عالم يتسم بتقلبات سياسية، مثل تلك التي يظهرها رئيس مثل دونالد ترامب، الذي يجمع بين التهور والفهم العميق للمخاطر الإيرانية.



