بعد أن يتلاشى الدخان: استخلاص العبر وبناء المستقبل العربي
حتماً ستضع الحرب الحالية أوزارها، وقطعاً ستسكت المدافع وتنطفئ النيران، ويتلاشى الدخان، ويبقى السؤال المركبي: ماذا نحن فاعلون؟ هذا التساؤل يدفعنا إلى التفكير بعمق في الدروس المستفادة مع نهاية المعارك، وأول هذه الدروس هو ضرورة منع التلاعب من قبل قوى طارئة على الإقليم، مثل إسرائيل، أو مجاورة له مثل إيران، التي تسعى إلى جلب القوى الكبرى لإشعال معارك عبثية تضر بالإقليم العربي دون سواه.
جذور الصراع: التطرف العقائدي والأحلام الإمبراطورية
بدأت اللعبة بالتطرف العقائدي، حيث تعلن إسرائيل، على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، أنها تغير الشرق الأوسط وتسعى للسيطرة على خرائطه تحت مزاعم «إسرائيل الكبرى». من جهة أخرى، وضعت إيران لنفسها تصوراً إمبراطورياً منذ أن قال مرشدها الخميني، العائد من منفاه الباريسي عام 1979، إن هذه المنطقة حكمها العرب لقرون، وحكمها الأتراك لقرون أخرى، وآن لنا نحن - الفرس - أن نحكمها لقرون مقبلة.
منذ تلك اللحظة، تبنَّى الخميني فكرة تصدير الثورة إلى دول الجوار، مدعياً أن الطريق إلى القدس يمر ببغداد، ومدَّ أذرعه إلى العواصم العربية لتحقيق إمبراطورية تستعيد ماضياً إمبراطورياً على حساب المنطقة العربية. هذا التوسع أدى إلى اشتعال الحرب الإيرانية - العراقية لمدة 8 سنوات، حيث رفض الخميني إيقاف الحرب رغم الوساطات الدولية، متطلعاً إلى السيطرة على الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر المتوسط.
التدخلات الإقليمية والعالمية: لعبة المصالح المتشابكة
استمرت هذه الأوهام بعد رحيل الخميني عام 1989، حيث توسعت إيران وحلفاؤها في استغلال الاضطرابات الإقليمية، وساعدوا الولايات المتحدة في غزو أفغانستان عام 2001 ثم العراق عام 2003، كما اعترف الإيراني هاشمي رفسنجاني صراحةً بأن إيران كانت عاملاً حاسماً في تمكين أميركا من هذه الاحتلالات.
في سياق متصل، تذكر قصة «إيران - كونترا» أو «إيران غيت» خلال الحرب الإيرانية - العراقية، حيث كشف العالم عن مفاجأة كبرى تتمثل في حصول إيران على أسلحة إسرائيلية وأميركية برعاية «الموساد» والمخابرات المركزية الأميركية، رغم رفعها شعارات معادية مثل «الموت لأميركا... الموت لإسرائيل». هذه اللعبة المعقدة ساهمت في تقسيم الأدوار بين الأجنحة المختلفة، مما وصل بنا إلى الحريق الحالي في المنطقة.
رؤية مستقبلية: نحو أمن قومي عربي متين
سواء أكانت إسرائيل أم المتطرفون الدوليون أم أصحاب الرؤية الإيرانيون، فإن هذه اللعبة تناهض رؤية شعوب المنطقة العربية. بين أحلام إمبراطورية أو دولة دينية عقائدية، كما يحلم نتنياهو والمتطرفون في إسرائيل، أو قوى كبرى طامحة للسيطرة على الطاقة والممرات البحرية والبرية، يجب أن نرنو ببصرنا إلى ضرورة التخلص من هذه الحلقات الجهنمية المحيطة بالمنطقة.
أمامنا ما يحدث في لبنان واليمن وفلسطين كمثال، وأعتقد أن أول خطوة لكسر هذه الحلقات هي منع نشوء تنظيمات ذات صبغة عسكرية داخل مؤسسات الدول الوطنية. ثانياً، يجب تشكيل نواة صلبة عربية، فكرية وثقافية وعسكرية، لمنع تهديد مستقبل الشعوب العربية، مع التأكيد على أن آن الأوان ليرفع الجميع أيديه عن الإقليم العربي.
الأمن القومي العربي ليس مهماً لشعوبه وحدهم، بل هو العقيدة الاستراتيجية لأي نظام عالمي قيد التشكيل. لا شك أن الاعتداء على الأراضي العربية من قبل أي قوة، سواء إسرائيلية أم إيرانية، هو خطر كارثي وغير مقبول مهما تكن المبررات. سيادة الدول العربية واحترام مقدراتها خط أحمر، ويجب أن يفهم المعتدون أن الحرب ستتوقف، لكن الآثار العميقة ستظل قائمة، ولن تغفرها الشعوب أو تسقط من حسابات التاريخ والجغرافيا.
