غياب الاتصال بين عون والشرع: تحليل للعلاقات اللبنانية السورية في ظل التحديات الإقليمية
غياب الاتصال بين عون والشرع: تحليل للعلاقات اللبنانية السورية

غياب الاتصال بين عون والشرع: قراءة في العلاقات اللبنانية السورية

في مشهد سياسي معقد، يبرز غياب الاتصال المباشر بين الرئيس اللبناني جوزيف عون والرئيس السوري أحمد الشرع كموضوع يثير التساؤلات، خاصة في ظل الأحداث الإقليمية المتسارعة. هذا الغياب ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل يعكس تداخلات أعمق في العلاقة بين البلدين.

خلفية العلاقة بين عون والشرع

في يناير 2025، تم انتخاب جوزيف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية، وبعد أقل من 48 ساعة، سارع أحمد الشرع، الذي كان آنذاك قائداً للإدارة السورية الجديدة، إلى الاتصال وتهنئة عون. وفي يناير من نفس العام، تم تنصيب الشرع رئيساً للجمهورية السورية، حيث أبرق عون مهنئاً بعد نحو عشرة أيام. هذه التبادلات المبكرة أظهرت نوايا إيجابية، لكن الأحداث اللاحقة كشفت عن حساسيات متزايدة.

حادثة تفجير الكنيسة الأرثوذكسية في دمشق

في يونيو 2025، عندما هز تفجير إرهابي نفذه تنظيم داعش الكنيسة الأرثوذكسية في دمشق، سارع الرئيس عون إلى إصدار بيان تعزية بالضحايا، داعياً السلطات السورية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار المأساة. غير أن هذا البيان، على أهميته، أثار امتعاضاً في الأوساط السورية، حيث اعتبر كثيرون أن التعزية كانت تستدعي اتصالاً مباشراً بالرئيس الشرع، خاصة أن الضحايا من أبناء سوريا. وبعد يومين، بادر عون إلى إجراء الاتصال، مما أظهر محاولة لتصحيح المسار.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الضربات الإسرائيلية وردود الفعل اللاحقة

في مارس 2026، تحت وطأة الضربات الإسرائيلية وما رافقها من قتل وتهجير ودمار في لبنان، أجرى الشرع اتصالاً برئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام معلناً تضامنه، كما تواصل مع رئيس التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط والنائب سامي الجميل. هنا أيضاً، ظهرت أصوات لبنانية تعترض على عدم اتصال الشرع بالرئيس عون، مما أثار تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين القيادتين.

جوهر القضية: محاولات استغلال الوضع

لكن جوهر القضية لا يكمن في الاتصال أو غيابه، بل في محاولات بعض الأصوات الاصطياد في المياه العكرة ودفع الرأي العام في لبنان وسوريا نحو حساسيات لا تخدم إلا من يريد توتير العلاقة بين البلدين. الحقيقة أن المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات التنسيق والتفاهم بين بيروت ودمشق، خاصة في ظل التحديات الإقليمية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
  • بعض الجهات حاولت استغلال مشهد الحشد العسكري السوري على الحدود مع لبنان لإثارة الشكوك.
  • دمشق تدرك جيداً أن هناك من يسعى إلى جر المنطقة بأسرها إلى مواجهة مفتوحة.
  • الشرع عمل على تحصين سوريا من الانزلاق إلى الصراع الدائر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

السياسات السورية الجديدة تحت قيادة الشرع

منذ تسلم الشرع زمام الحكم، كانت سوريا تدخل مرحلة مختلفة. فقد حافظ على وحدة سوريا بكل مكوناتها، ودخل البيت الأبيض ونسج أقوى علاقة مع المملكة العربية السعودية، وبدأ يعيد دور سوريا في المنطقة. كل ما يُروّج عن تدخله بشؤون لبنان أو دخول عسكري هو محاولة مفضوحة من أبناء النفوذ الإيراني لإثارة الفتنة بين سوريا ولبنان.

  1. الشرع أظهر حرصاً واضحاً على إنهاء حضور الميليشيات المرتبطة بطهران داخل الأراضي السورية.
  2. الإجراءات العسكرية على الحدود مع لبنان والعراق تهدف إلى حماية الأراضي السورية من أي استغلال.
  3. هذه الإجراءات ليست تصعيداً بقدر ما هي محاولة لحماية سوريا من صراعات الآخرين.

الرئيس عون ومساعيه لإعادة تثبيت الدولة اللبنانية

في المقابل، جاء الرئيس جوزيف عون من المؤسسة العسكرية، ويقود عهداً يطمح إلى إعادة تثبيت الدولة اللبنانية وتعزيز سيادتها ضمن نظام يعطي الحكومة اللبنانية السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية الحكم ورأس الدولة وحاضناً للجميع. بين الرجلين، تبدو المصلحة المشتركة واضحة: استقرار بلدين يتقاسمان الجغرافيا والتاريخ والمصير.

الإشارات الإقليمية والدعم السعودي

في هذا السياق، لا يمكن إغفال الإشارات الإقليمية الداعية إلى ترسيخ هذه العلاقة. فهناك رسالة واضحة من المملكة العربية السعودية بضرورة أن تكون العلاقة بين لبنان وسوريا علاقة مستقرة وقوية، خالية من الشوائب، بما يخدم استقرار المشرق كله. هذا الدعم يعزز من أهمية تجاوز التفاصيل البروتوكولية والتركيز على المصالح المشتركة.

الخلاصة: العلاقة أكبر من مكالمة

الحكمة تقتضي أن يُقرأ ما جرى في إطار أوسع من التفاصيل البروتوكولية. فكما عالج الرئيس عون مسألة الاتصال بعد حادثة الكنيسة خلال يومين، ليس مستبعداً أن يسلك الرئيس الشرع المسار نفسه متى اقتضت الظروف. وفي كل الأحوال، تبقى الحقيقة الأهم أن العلاقة بين بيروت ودمشق أكبر من مكالمة، وأعمق من لحظة عابرة. إنها علاقة تحتاج اليوم إلى من يحميها ويحصّنها، لا إلى من يزرع الشكوك في طريقها.

هذا التحليل يسلط الضوء على تعقيدات العلاقة بين لبنان وسوريا في ظل التحديات الإقليمية، مع التأكيد على أن المصالح المشتركة يجب أن تتغلب على الحساسيات المؤقتة. فالتاريخ يذكرنا بأن كثيراً من قادة المنطقة خرجوا من رحم الحروب قبل أن ينتقلوا إلى العمل السياسي، وهذا ما يجب أن يوجه مسار العلاقة بين عون والشرع نحو مستقبل أكثر استقراراً.