لبنان في مهب الحرب: وجود معلق بين براكين النزاع وضبابية المصير
إلى أين يهرب اللبنانيون؟ إلى من يلتجئون؟ كل منطقة في هذا البلد الصغير هي بركان متفجر أو بركان ينتظر الضغط على الزناد فقط ليثور. مشهد الحرب والنزوح في لبنان يكشف بلداً يعيش حالة وجود معلق بين العجز والخوف وضبابية المصير التي تحيط به من كل جانب.
مشهد سريالي بين أساطير اليونان وأفلام الأكشن
يشعر من يراقب الأحداث منذ بدء الحرب على لبنان بأنه أمام مشهد سريالي، أو أسطورة من أساطير اليونان القديمة، حيث تتنافس الآلهة في لعبة تذهب بالكواكب والمدلولات قبل أن يتدخل زيوس لينقل النصر من ضفة إلى ضفة. ينتهي معها العالم، ولا يبقى غير هذه الآلهة راتعة في ملكوتها حيث لا يصل بشر.
أو ربما هي قصة خرافية، فيلم "أكشن" سيئ الصنع، مليء بالأحداث الدموية غير المنطقية، التي تتواتر بتسارع لا يمكن للضوء حتى أن يلحق به. جحيم استعر بوقود من إنتاجه، يسليها وتسليه، ومن دون رأفة، على رماح الفولاذ نصب الناس فوق فوه براكين تسيل منها ألسنة اللهب.
رقصة الموت على إيقاع طبول الحرب
والراقصون آكلو لحوم البشر يقرعون الطبول، وعلى إيقاعها يرقصون رقصات الموت من دون التفات لإيقاع ما يطبّلون، ولا حتى لأنين من يشوون. وكأنهم سكارى هذه المواقف الدرامية التي تلتفت إلى المشهد، ونشوة اللحظة أكثر مما تلتفت إلى المضمون أو الفائدة أو ماهية ما إليه يسعون.
في برد شهر الصوم عند المسيحيين والمسلمين، دخل لبنان الحرب من دون أن يدخل، لكنه كهذا الطالب المستغرق في درسه المُتَنَمَّر عليه، وجد نفسه طابة في حلبة مصارعة بين مصارعين لا يمتان إليه بشيء. ذنبه الوحيد أنه نتاج خطيئة التكوين: خطيئة الجغرافيا، وخطيئة البشر، وخطيئة فكرة الانتماء التي ذُبحت على امتداد الجمهورية منذ إنشائها.
العجز الذي يحيط كالقيد بالمعصم
ولا يكاد العقل يتحمل أن يعقل في هذه الحال، لأنه غير قادر على استيعاب كل ما يحدث حوله، أو التسارع في كل ما يحدث. كل ذلك، وشعور العجز يحيط به إحاطة القيد بالمعصم، لا سيما لبنان الذي اعتقد أنه مواطن إنسان آمن في بيته، محفوظة كرامته، في أي بقعة كان على امتداد 10452 كلم2.
فإذا وجوده بيده كرة، كرة نار تكبر يوماً بعد يوم. ولا من إجابة منطقية عن الأسئلة التي تثيرها هذه الكرة وهذه الأحداث، لا سيما الأسئلة المتعلقة بالمصير: إلى أين؟ إلى أين يهرب اللبنانيون؟ إلى من يلتجئون؟ كل منطقة هي بركان متفجر أو بركان ينتظر الضغط على الزناد.
سلسلة أفلام لا تنتهي من المعاناة
بالفعل كأننا في سلسلة أفلام Lord of The Ring، أو في رحلة التيه الجزء الثاني - نموذج لبنان. لا منطقة آمنة، ولا المنازل المتبقية تتسع لكل من ترك بيته وخسره، والطرقات افترشها الناس كأنهم رمال نُثرت فأغشت الطريق وغطّتها.
لكن الرمال تغطي وتستر ما في الطريق من عيوب، وافتراش الناس للطرقات يعرّي الطريق بنحره مفاهيم كرامة الإنسان، ويعمّق شعور العجز ويغرزه عميقاً في الوريد، إذ لا فكرة عن الآن، ولا علم يقين إذا كان الغد سيطلع بشمسه، أو إذا كان لأولادنا في هذه الأرض مصير العز الذي أملناه يوم أنجبناهم.
الساعة التي تحققت شروطها في لبنان
إذا كانت الساعة قيامة، فهل هناك قيامة أفضل مما يحصل في لبنان؟! هذه هي الساعة وهذي شروطها قد تحققت، وهذي نيرانها قد استعرت واشرأبّت، وهذا البرزخ قد ضاق بقاطنيه، ولبنان المصليّ يسأل بجنوبه قبل شماله سؤال المصير: إلى أين؟
يبقى السؤال الأكبر معلقاً في الهواء، مثل وجود اللبنانيين أنفسهم: إلى أين المصير؟ وإلى متى سيستمر هذا المشهد السريالي الذي تحول إلى كابوس يومي يعيشه كل مواطن على هذه الأرض التي كانت يوماً جنة الشرق.
