طهران في ذكرى ثورتها: هتافات الولاء فوق الأسطح وصرخات السخط في الأزقة
طهران في ذكرى الثورة: هتافات الولاء وصرخات السخط

طهران في ذكرى ثورتها: هتافات الولاء فوق الأسطح وصرخات السخط في الأزقة

عندما دقت الساعة التاسعة مساءً في طهران يوم الثلاثاء، امتلأت سماء العاصمة الإيرانية بأصوات الاحتفالات بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين للثورة الإيرانية. ارتفعت هتافات "الله أكبر" من أسطح المنازل والنوافذ، وتألقت الألعاب النارية بألوانها الزاهية، في مشهد اعتاد عليه الإيرانيون سنوياً. لكن هذا العام، حملت الأجواء نفحة مختلفة، حيث اختلطت أصوات الاحتفال الرسمية بصرخات سخط خافتة ترددت من زوايا المدينة المظلمة، هاتفةً "الموت للديكتاتور".

تناقضات ليلة تاريخية

في ليلة الثلاثاء، شهدت طهران احتفالات حكومية واسعة النطاق، نظمتها السلطات احتفاءً بـ"أيام الفجر العشرة"، التي تخلد ذكرى الثورة التي أطاحت بالشاه عام 1979. غصت الشوارع بالأنصار الموالين، الذين رفعوا الأعلام الإيرانية وصور المرشد الأعلى علي خامنئي، مرددين شعارات معادية لأمريكا وإسرائيل. عبرت شابة مشاركة في التجمع عن ابتهاجها قائلةً: "الثورة تعني إحياءً للحياة، فقد بُعثت حياة جديدة في مجتمعنا وبلدنا".

لكن تحت سطح هذه الأجواء الاحتفالية، كانت هناك قصة أخرى. فمن داخل الأزقة والأماكن الآمنة، سُمعت هتافات معارضة تندد بالحكم، تعكس صدى الاحتجاجات الواسعة التي اجتاحت إيران الشهر الماضي. هذه الاحتجاجات، التي اندلعت بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة وارتفاع أسعار السلع اليومية، واجهت قمعاً أمنياً غير مسبوق، مما أسفر عن خسائر بشرية فادحة حسب تقارير نشطاء حقوقيين.

تحديات غير مسبوقة للنظام

تواجه إيران في ذكرى ثورتها هذا العام اختبارات بالغة التعقيد، تتراوح بين الضغوط الداخلية والخارجية. فمن ناحية، يعاني المواطنون من انهيار العملة وغلاء المعيشة، مما دفع إلى إضرابات واحتجاجات شعبية. ومن ناحية أخرى، تتعرض البلاد لعقوبات دولية وتحذيرات عسكرية من الولايات المتحدة، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

في خطابه أمام حشد غفير في ساحة آزادي، حاول الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان تبني لهجة تصالحية، حيث اعتذر عن تقصير الحكومة وأكد استعدادها للاستماع إلى صوت الشعب. لكنه في الوقت نفسه، ألقى باللوم على "الدعاية المغرضة" من أعداء إيران، في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، في تأجيج الاضطرابات.

صوت الشارع الإيراني

خلال جولة لمراسلي "بي بي سي" في طهران، التي تعد أول زيارة لهم منذ اندلاع الاحتجاجات، كشفوا عن مشاعر غضب وألم بين المواطنين. تحدثت رها، البالغة من العمر 32 عاماً، عن معاناتها النفسية قائلةً: "مر شهر الآن ولم آكل أو أنم كما ينبغي. أنا شابة، لماذا أشعر بهذا الانهيار؟". بينما عبرت دوري، ذات العشرين عاماً، عن صدمتها من الفيديوهات المروعة التي شاهدتها بعد عودة خدمة الإنترنت، والتي تظهر هجمات على المتظاهرين.

أما أختر، البالغة 62 عاماً، فشكت من تدهور الأوضاع المعيشية: "تضاعف سعر زيت الطهي أربع مرات، والبطالة مرتفعة للغاية". وعند سؤالهم عن رسالتهم للقادة، أجاب أمير، البالغ 20 عاماً: "أعتقد أن عليهم أن يسمعوا أصواتنا"، بينما طالب صديقه البالغ 19 عاماً بـ"تلبية احتياجاتنا الأساسية والحفاظ على حرياتنا".

مفترق طرق تاريخي

تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث تتصاعد التحديات الاقتصادية والاجتماعية وسط بيئة إقليمية ودولية متوترة. النظام الثيوقراطي، الذي يتركز السلطة فيه بيد المرشد الأعلى البالغ 86 عاماً، يواجه مطالب شعبية متزايدة بالإصلاح، بينما يتعهد بعدم التهاون مع ما يصفهم بـ"مثيري الشغب".

هذه الضغوط، المتفاقمة بسبب عقود من العقوبات والشكوك النووية، تشكل اختباراً وجودياً للنظام، ربما يكون الأصعب منذ انتفاضته قبل نحو نصف قرن. كما أن عودة وسائل الإعلام الدولية تدريجياً إلى إيران، بعد رفع الحظر شبه التام على الإنترنت، تتيح فرصة نادرة لكشف هذه التناقضات للعالم.

في الختام، تبقى طهران مدينة منقسمة بين مظاهر الولاء الرسمي وهمسات السخط الخافتة، في ذكرى ثورة تحاول الصمود أمام عواصف التغيير. مستقبل إيران، بين الاستقرار والاضطراب، يبدو مرتبطاً بقدرة النظام على موازنة مطالب الشعب مع تحديات السيادة في منطقة ملتهبة.