حروب المياه الخانقة: من مضايق التاريخ إلى نيران الحاضر
حروب المياه الخانقة: من مضايق التاريخ إلى الحاضر

قالت العرب قديماً «أعظم النار من مستصغر الشرر». من حربي داحس والغبراء والبسوس إلى الاحتلال الفرنسي للجزائر والحربين العالميتين الأولى والثانية، كانت أغلب الحروب الكبيرة قداحاتها ذرائع صغيرة، ووقودها أطماعاً ومصالح وعداوات غائرة.

معركة سلاميس والمضايق التاريخية

في معركة سلاميس سنة 480 قبل الميلاد، هزم الأسطول اليوناني الفرس وسيطر على البحر. كان مضيقا البسفور والدردنيل هدفين دائمين للإمبراطوريات، وبعد فتح القسطنطينية سيطر العثمانيون على المضايق، وتمكنوا من التحكم في الحركة بين البحر المتوسط والبحر الأسود. الحروب التي اشتعلت بين روسيا والدولة العثمانية كان محركها السيطرة على المضايق، وكذلك الحرب بين بريطانيا وفرنسا من جانب، وروسيا من الجانب الآخر في حرب القرم، كان محركها منع روسيا من التحكم في المضايق. في الحرب العالمية الأولى، قام الحلفاء بحملة عسكرية كبيرة للسيطرة على مضيق الدردنيل وانتزاعه من السيادة العثمانية، لكن الحملة فشلت وقتل فيها الآلاف من الجنود البريطانيين والفرنسيين.

خليج غدانسك: شرارة الحرب العالمية الثانية

الحرب العالمية الثانية التي روعت الدنيا وقتل فيها الملايين من البشر، وهدم فيها ما بناه الإنسان عبر عقود طويلة، فجرها نتوء بحري صغير هو خليج غدانسك البولندي. الزعيم النازي أدولف هتلر وضع قاعدة قومية مقدسة، وهي أينما وجدت أرض بها شعب يتحدث اللغة الألمانية فهي جزء من كيان الدولة الألمانية. في خليج غدانسك الواقع بين الحدود الألمانية والبولندية، تعيش أقلية ألمانية فحرك هتلر قوته لاحتلال الخليج. حاولت كل من فرنسا وبريطانيا كبح الفوهرر الألماني، لكنه دفع جيشه الجرار لاحتلال ما جزم أنه أرض ألمانية. هذا الخليج الصغير كان مستصغر الشرر الذي أشعل نيران السياسة والحرب، ودفع العالم إلى جحيم أحرق البشر ودمر الحجر. قبلت فرنسا وبريطانيا بضم هتلر لتشيكوسلوفاكيا في اتفاقية ميونخ، وضم النمسا في استفتاء شعبي جرى تحت سطوة الجيش النازي الألماني. فكيف تقبل هاتان الدولتان الأوروبيتان أن تلتهم ألمانيا النازية هذه المساحة الكبيرة من أوروبا، وتعلن الحرب على ألمانيا النازية بعدما قامت باحتلال خليج غدانسك البولندي الصغير؟ المضايق والخلجان لا تحسب أهميتها بالمساحة، بل بأهميتها الاستراتيجية للدول.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

بيرل هاربر: نقطة تحول المحيط الهادئ

ماء آخر في أقصى القارة الآسيوية غير مسار الحرب العالمية الثانية. بعد احتلال ألمانيا النازية لفرنسا، وأمطرت بريطانيا بقنابل مدمرة، خاطب رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل شعبه وقال له: ليس لكم عندي إلا الدم والعرق والدموع. عاش تشرشل في قبضة الإحباط والقلق، لكنه لم ييأس أو ينكسر. قوة المحور التي ضمت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وإمبراطورية اليابان، تواجهها بريطانيا منفردة. تشرشل السياسي الخبير الداهية قضى وقتاً طويلاً مشتبكاً مع عقله الاستراتيجي، أيقن أن الولايات المتحدة الأميركية هي طوق النجاة القدري الأوحد القادر على إنقاذ بلاده والعالم من جنون هتلر الرهيب. حاول كثيراً أن يقنع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت بأن ينضم إلى جانبه في الحرب، لكن الكونغرس لم يتحمس لذلك، وكذلك الرأي العام الأميركي. في 7 ديسمبر عام 1941 شن الجيش الياباني هجوماً جوياً على قاعدة بحرية أميركية في ميناء بيرل هاربر، دمر عدداً من السفن وقتل أكثر من ألفي جندي ومدني أميركي. ألقت أميركا بكل قوتها العسكرية الجبارة ضد قوات المحور، وأدى ذلك إلى تغيير مسار الحرب العالمية الثانية.

قناة السويس: شريان الإمبراطوريات

عام 1956 قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس المصرية، فشنت إسرائيل وبريطانيا وفرنسا حرباً ثلاثية على مصر، لأن كلاً من فرنسا وبريطانيا آنذاك كانتا إمبراطوريتين تملكان مساحات واسعة من الأرض الآسيوية والأفريقية، وقناة السويس هي الحبل المائي السري الذي يربط باريس ولندن بما يملكان من أرض وبشر وراء الحدود. قناة السويس هذا الممر المائي الصناعي الذي يبلغ طوله 120 ميلاً فقط رسم خريطة عالم جديد. انتفض العملاقان الدوليان الكبيران، الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، وأرغما الجيوش المعتدية على مصر بالانسحاب. مياه مجرى السويس الصغير جرفت قروناً سطعت فيها شمس فرنسا وبريطانيا على أكبر مساحة فوق سطح الكرة الأرضية، وفُتح الباب لقوتين تمدان وجودهما على عصر عالمي جديد.

مضيق تيران: نار الشرق الأوسط

الجغرافيا لها شرايين ومفاصل وحواس. مصر ساهمت الجغرافيا في تشكيل شخصيتها. بعد حرب تأميم قناة السويس، ممر مائي مصري طبيعي آخر يوقد نار حرب إقليمية طاحنة. مضيق تيران ممر مائي يربط بين خليج العقبة والبحر الأحمر. في شهر مايو عام 1967 قرر الرئيس جمال عبد الناصر إغلاق مضيق تيران أمام السفن الإسرائيلية. إسرائيل اعتبرت قرار عبد الناصر إعلان حرب عليها، لأن ميناء إيلات الإسرائيلي يعتمد على هذا الممر للوصول إلى آسيا وأفريقيا. في الخامس من يونيو عام 1967 شنت إسرائيل حرباً على مصر، تكبدت فيها مصر، ومعها الأردن وسوريا، هزيمة قاسية وخسرت فيها مساحات كبيرة من أراضيها. هذا المضيق الصغير تيران أعاد رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط، وفتح أبواباً لعصر جديد، ما زلنا نعيش حرارة نيرانه.

مضيق هرمز: زمن النار الكبير

هذا العام هو زمن نار كبير أشعلتها حرب خاضتها أميركا وإسرائيل ضد إيران. مضيق آخر هيمن اسمه على سمع الدنيا ونظرها، مضيق هرمز الذي دخل بيوت الناس وجيوبهم. تعطلت الإمدادات النفطية واهتزت البورصات وارتبك الاقتصاد العالمي. لا ندري متى تتسع المضايق ويتراجع الضيق العالمي ويزدهر العقل.