هدم الثقة الخليجية: تداعيات هجمات الفصائل المسلحة من العراق على الاستقرار الإقليمي
في أعقاب عملية "الغضب الملحمي" الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، برز دور الفصائل العراقية المسلحة بشكل لافت، حيث أطلقت مئات الهجمات بمسيّرات وصواريخ من الأراضي العراقية، مستهدفة قواعد أميركية ومنشآت مدنية واقتصادية حيوية في دول الخليج العربية.
ردود الفعل الخليجية: احتجاجات رسمية واستدعاء سفراء
سارعت دول مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى تقديم احتجاجات رسمية واستدعاء السفراء العراقيين، معتبرة هذه الهجمات تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي. كما أصدرت السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن بيانًا مشتركًا يدين هذه الهجمات، مؤكدة على ضرورة حماية الأمن الجماعي.
بالرغم من الإدانات الرسمية المتكررة من الحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني، والتأكيد على رفض استخدام الأراضي العراقية لاستهداف الجوار، إلا أن الفعل على الأرض كشف عن عجز واضح في فرض السيادة الكاملة، مما حوّل العراق في نظر دول الخليج من دولة جارة تسعى للانفتاح الاقتصادي إلى مصدر تهديد مباشر.
تداعيات اقتصادية وسياسية: تباطؤ الاستثمارات وعزلة دبلوماسية
اقتصاديًا، فإن الثقة المفقودة ستؤدي إلى تباطؤ الاستثمارات الخليجية في العراق، خاصة في قطاع النفط والغاز والمشاريع الكبرى مثل طريق التنمية. الشركات الخليجية والدولية ستعيد تقييم مخاطرها، وقد تشهد مشاريع الطاقة والنقل تأخيرًا أو شروطًا أمنية صارمة.
سياسيًا ودبلوماسيًا، ستتراجع فرص انضمام العراق الكامل إلى "الدائرة العربية"، وقد يواجه بغداد عزلة دبلوماسية مشابهة لما حدث بعد أزمات سابقة. الضغط الخليجي سيستمر لفرض سيادة الدولة على السلاح غير الرسمي، مع إمكانية ربط أي تعاون اقتصادي بضمانات أمنية واضحة.
تأثيرات داخلية: تصدع وطني وتعقيد الجهود التوحيدية
إقليم كردستان تعرض لضربات مكثفة من هذه الفصائل، مما زاد من التوتر بين أربيل وبغداد وأضعف الثقة بين المكونات العراقية المختلفة. هذا التصدع الداخلي يُعقّد أي جهود لتوحيد الصف الوطني ويضع عبئًا إضافيًا على الحكومة العراقية.
في المحصلة، ما قامت به بعض الفصائل المسلحة لم يكن مجرد رد فعل على أحداث خارجية، بل كان استخدامًا للأراضي العراقية في أجندة إقليمية تجاوزت قرار الدولة السيادي. هذا السلوك هدم الثقة التي بُنيت بشق الأنفس، وفتح الباب أمام تداعيات طويلة الأمد قد تعيد العلاقات العراقية الخليجية إلى مربع الحذر المزمن.
آفاق المستقبل: استعادة الثقة مرهونة بالسيادة والضمانات
استعادة هذه الثقة ليست مستحيلة، لكنها مرهونة بقدرة بغداد على فرض سيادتها الكاملة على كل السلاح داخل حدودها، وتقديم ضمانات عملية بعدم تكرار مثل هذه الهجمات. الجغرافيا والمصالح المشتركة، مكافحة الإرهاب، والطاقة، والتجارة، تفرض استمرار الحوار، لكن بدون حسم داخلي واضح، سيبقى العراق يدفع ثمنًا باهظًا من استقراره وفرصه التنموية.



