السويس بلا أوهام: حرب إيران، عبء إسرائيل، وانكشاف حدود القوة الأميركية
تكشف حربُ إيران وعبءُ إسرائيل حدودَ القوة الأميركية وتدفع الهيمنة المفترضة نحو طورٍ جديد من التآكل والتنازع. إن وصف الحرب مع إيران بأنها "سويس أميركا" ليس مبالغة، بل محاولة لتسمية لحظة انكسار بنيوي تتشكل بالفعل. فالمقارنة لا تقوم على تماثل عسكري أو حجم الدمار، بل على ما هو أعمق: لحظة تنكشف فيها حدود القوة، حين تتبدد صورة الهيمنة المطلقة وتظهر بوصفها مشروطة، قابلة للتحدي، ومقيدة بتوازنات لم تعد خاضعة لإرادة طرف واحد.
دروس من أزمة السويس 1956
لم يكن الدرس الحقيقي من أزمة السويس عام 1956 مجرد خطأ في الحسابات البريطانية والفرنسية، بل كان في تصرفهما وكأن العالم الذي عرفتاه لا يزال قائمًا. عندما أمم جمال عبد الناصر القناة، لم يكن ذلك مجرد قرار سيادي يتعلق بالبنية التحتية، بل اختبارًا لمدى بقاء السلطة الإمبراطورية. ردت لندن وباريس بالقوة، متشبثتين بفكرة أن التدخل العسكري قادر على إعادة تشكيل الواقع السياسي. لكنهما اصطدمتا بترتيب جديد للقوة، حيث استطاع دوايت أيزنهاور فرض الانسحاب. لم تكن الإهانة في الهزيمة وحدها، بل في اكتشاف أن السيادة نفسها أصبحت نسبية، خاضعة لقوى أكبر من الإرادة الإمبراطورية.
الوضع الراهن: تآكل الهيمنة
ما يحدث اليوم يسير وفق المنطق ذاته، وإن كان في سياق أكثر تعقيدًا. فقد خاضت الولايات المتحدة حربًا على أساس افتراض استمرار الهيمنة غير المتنازع عليها، لكن ردود الفعل كشفت عالمًا تجاوز هذا الافتراض. لغة التحالفات بدأت تتشقق تحت الضغط. مؤسسات مثل حلف شمال الأطلسي، وأطر مثل أوكوس والحوار الأمني الرباعي، قامت على فرضية التماسك تحت القيادة الأميركية. هذه الفرضية لم تنهَر رسميًا، لكنها تعرضت لتصدع واضح. لم يعد الاصطفاف تلقائيًا، بل أصبح مشروطًا، ومترددًا، وخاضعًا لحسابات وطنية متباينة.
إسرائيل كعبء استراتيجي
وهنا يصبح البعد الإسرائيلي جزءًا لا ينفصل عن المشهد الأميركي. بخلاف مراحل سابقة كان يمكن فيها تصوير إسرائيل كأصل استراتيجي يعزز النفوذ الأميركي، باتت تُرى اليوم، في قطاعات واسعة من العالم، كعبء يسرّع تآكل هذا النفوذ. الحرب في غزة، التي يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها غير متناسبة ومخالفة للقانون الدولي، لم تبقَ مسألة إقليمية. لقد تحولت إلى استفتاء عالمي على صدقية الخطاب الغربي حول القانون الدولي. ومع توثيق الدمار المدني في الزمن الحقيقي، اتسعت الفجوة بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية إلى حد يصعب احتواؤه.
التحول في الرأي العام الأميركي
هذا التحول لا يقتصر على خصوم الولايات المتحدة. إنه ظاهر في أوروبا، وفي دول الجنوب العالمي، والأهم داخل الولايات المتحدة نفسها. فقد شهد الرأي العام الأميركي، خصوصًا بين الأجيال الشابة، تغيرًا ملحوظًا. لم يعد التأييد لإسرائيل بديهيًا كما كان، بل أصبح محل نقاش واعتراض. هذا لا يعني تحولًا فوريًا في السياسات، لكنه يغير البيئة السياسية التي تُصاغ فيها تلك السياسات. ما كان إجماعًا بدأ يتحول إلى انقسام. النتيجة تراكمية. فالدعم الأميركي لإسرائيل، الذي كان يُقدم بوصفه ركيزة للاستقرار، بات يحمل كلفة سياسية واستراتيجية متزايدة. إنه يربط الولايات المتحدة بسياسات يراها كثير من حلفائها وشركائها غير قابلة للدفاع، مما يعمّق العزلة الدبلوماسية في لحظة تحتاج فيها واشنطن إلى تماسك التحالفات.
المقارنة مع السويس: المعنى الكامل
هنا تكتسب المقارنة مع السويس معناها الكامل. لم تُنهِ السويس الإمبراطورية البريطانية فورًا، فقد استمرت هياكلها لسنوات. لكن ما اختفى كان أكثر أهمية: وهم الحتمية. حين أصبح واضحًا أن بريطانيا يمكن ردعها وأن قراراتها يمكن إبطالها، دخلت سلطتها مرحلة تآكل لا رجعة فيها. الدينامية نفسها تتكرر اليوم. لم تختفِ القوة الأميركية، لكنها كُشفت على نحو لا يمكن إخفاؤه أو تبريره بسهولة.
البعد الاقتصادي
البعد الاقتصادي يعمّق هذا التحول. فقد ارتكز النظام المالي العالمي لعقود على هيمنة الدولار، مدعومًا بمنظومة الطاقة والتجارة. ظهور بدائل، يُشار إليها أحيانًا بـ"البترويوان"، لا يعني استبدالًا فوريًا، لكنه يعكس تغيرًا في السلوك. الدول لم تعد تتعامل مع الدولار كخيار وحيد، بل بدأت تنوّع وتتحوط. هكذا تبدأ التحولات الكبرى، ليس بانهيار مفاجئ، بل بتآكل تدريجي في الاحتكار.
تآكل الشرعية
الأخطر من ذلك هو تآكل الشرعية. فالقوة الأميركية لم تقم فقط على القدرات المادية، بل أيضًا على إطار معياري صاغه النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية عبر الأمم المتحدة. هذا الإطار وفّر لغة لتبرير السياسات بوصفها استقرارًا أو ضرورة. لكن حربًا تُعتبر على نطاق واسع غير قانونية تقوّض هذه اللغة. إنها تكشف التناقض بين المبادئ والممارسة، وهذا التناقض يصبح مع الوقت عاملًا سياسيًا ضاغطًا، داخل الولايات المتحدة وخارجها، ويزداد حدة مع الارتباط الوثيق بإسرائيل.
الخلاصة: عتبة تاريخية
لهذا فإن المقارنة مع حملة غاليبولي غير دقيقة. كانت غاليبولي فشلًا عسكريًا، لكنها لم تغيّر بنية النظام الدولي. أما السويس فكشفت أن البنية نفسها تغيرت. واللحظة الراهنة تنتمي بوضوح إلى هذا النوع من التحولات، حيث لم يعد افتراض الهيمنة الأميركية مسلّمًا به، وحيث أصبح حليفها الأبرز محورًا لرفض عالمي متزايد. لا يعني ذلك انهيارًا وشيكًا. الإمبراطوريات لا تسقط دفعة واحدة، بل تتكيف وتناور وتنكر. لكن الاتجاه يصبح واضحًا. حين يبدأ الحلفاء في التردد، والخصوم في الاختبار، والبدائل الاقتصادية في الظهور، والرأي العام في التحول، يصبح التغيير بنيويًا. إنَّ تسمية هذه اللحظة بـ"سويس أميركا" تعني التعرف على عتبة تاريخية لا على نهاية. إنها انتقال من هيمنة مفترضة إلى سلطة متنازع عليها. ما زالت أدوات القوة قائمة، لكن فكرة ديمومتها قد انكسرت. وهذه، أكثر من أي نتيجة عسكرية مباشرة، هي الدلالة الحقيقية للسويس، وهي ما يحدد مسار الأزمة التي نشهدها اليوم.



