لبنان بين حربين: مقارنة جذرية بين صراع 2024 والنزاع الراهن في ظل التصعيد الإسرائيلي
لبنان: مقارنة بين حرب 2024 والنزاع الحالي مع إسرائيل (08.03.2026)

لبنان في مرمى النيران: قراءة متعمقة بين حرب 2024 والنزاع الراهن

على وقع أصوات الصواريخ المدوية والعبء الاجتماعي الثقيل الذي يثقل كاهل لبنان، جراء موجات النزوح الكثيفة الناجمة عن التهديدات والقصف الإسرائيلي المتواصل، تتصاعد الأصوات الاعتراضية في الداخل اللبناني. هذه الأصوات تحذر من "توريط" البلاد في حرب لا ترغب بها، مما يكبدها تكاليف باهظة نتيجة صراع قاسٍ يبدو أكثر ضراوة من كل الحروب السابقة. هذا خاصة مع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين المتكررة، التي تتضمن تهديدات صريحة بتكرار "سيناريو تدمير غزة" في مناطق لبنانية عديدة.

فوارق جوهرية بين الحربين: من احتواء إلى تصعيد كامل

على الرغم من استمرار الحرب الحالية وعدم وضوح أفق وقفها في المدى المنظور، فإن مقارنة بسيطة بينها وبين حرب عام 2024 تكشف عن فوارق أساسية. في عام 2024، لم تكن الحرب الإسرائيلية-الأمريكية قد اندلعت بعد، حيث كانت إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن تسعى لاحتواء الوضع فيما يتعلق بإيران. كانت السياسة تقتصر على منح الضوء الأخضر لإسرائيل لمواصلة حربها في غزة ولبنان، دون السماح لها بفتح جبهة مباشرة مع إيران. في ذلك الوقت، كانت طهران لا تزال تتبنى سياسة "الصبر الاستراتيجي"، التي مكنتها من بناء نفوذها الإقليمي وصولاً إلى ادعاءات السيطرة على عواصم عربية.

هذا المعطى أدى عملياً إلى بقاء "حرب الإسناد" التي أطلقها حزب الله اللبناني بدءاً من أكتوبر 2023 محدودة التأثير. لم تستطع هذه الحرب تغيير الوقائع أو موازين القوى بشكل جذري، حتى حصلت عمليات تفجير أجهزة الاتصال لعناصر الحزب، تلاها اغتيال قياداته بما في ذلك الأمين العام حسن نصر الله. وانتهى الأمر باتفاق وقف إطلاق النار الذي تضمن بنوداً لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وهو الاتفاق الذي وافق عليه حزب الله ثم تنصل منه لاحقاً.

التغير في الدعم الأمريكي والمواقف الإقليمية

في الحرب الحالية، هناك دعم أميركي كامل لإسرائيل لما يسمى "إنجاز المهمة" في لبنان. بل إن الانخراط الأمريكي مع إسرائيل وصل إلى مستويات غير مسبوقة، تمثلت في شن حرب مشتركة على إيران. هذا التصعيد أدى إلى إقحام الولايات المتحدة في نزاع كبير، تبدو آفاقه المستقبلية غامضة حتى الآن، كما أكد عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي بعد اجتماعهم مع الرئيس دونالد ترمب.

إذا كانت إسرائيل في عام 2024 قد قيدت نفسها بمعطيات الردع الاستراتيجي الإيراني، فإن حزب الله أيضاً خضع للأمر الواقع آنذاك. وافق الحزب على مضض على تهدئة كانت ضرورية لإعادة تنظيم صفوفه، متجاهلاً صيحات الرفض الداخلية اللبنانية. تعامل الحزب مع هذه الانتقادات تارة بصورة الضحية المظلومة، وتارة أخرى بنبرة متعالية تؤكد عدم تراجعه، انطلاقاً من اعتبارات علاقته المصلحية والعقائدية مع الجمهورية الإسلامية، دون اكتراث حقيقي بالمصلحة الوطنية اللبنانية.

تحديات السيادة اللبنانية واستمرار العدوان الإسرائيلي

لا مناص من القول إن ما يساعد حزب الله في موقفه هو التذرع الدائم بالسلوك العدواني الإسرائيلي، الذي ينتهك السيادة اللبنانية بشكل متكرر. هذا العدوان لا يتيح للسلطة اللبنانية، التي خطت خطوات استثنائية في قضية حصر السلاح، أن تلتقط أنفاسها. إسرائيل واصلت احتلالها للنقاط الخمس في جنوب لبنان، ولم توقف اعتداءاتها حتى قبل انطلاق الحرب الأخيرة بضراوة كبيرة.

في السياسة، ليس هناك ما سيوقف إسرائيل في حربها الراهنة على لبنان قبل أن تفرض الاستسلام الكامل لحزب الله. هذا الاستسلام لا يبدو أن الحزب في وارد القيام به، وليس من المؤكد أن إسرائيل ستتمكن من فرضه حتى لو تفوقت عسكرياً واستخبارياً. هذا الوضع قد يعني المزيد من الانتقام من لبنان، من خلال استهداف مرافقه الحيوية وبناه التحتية، ودفع موجات إضافية من النزوح. هذه الموجات تساهم في تغذية الانشقاق الطائفي والمذهبي، وتكرس مناخات الانقسام الأهلي، وتفاقم تأليب الطوائف والمناطق على بعضها البعض.

عقبات تنفيذ القرارات الحكومية ومستقبل لبنان

على الرغم من أهمية القرارات الحكومية اللبنانية المتلاحقة المتصلة بحصر السلاح، فإن تنفيذها لن يكون يسيراً على ضوء تعنت حزب الله. هذا خاصة مع استمرار الحرب الإسرائيلية وانكفاء المؤسسات العسكرية الرسمية اللبنانية عن المواجهة المباشرة مع الجيش الإسرائيلي. هذا الانكفاء يوفر ذريعة إضافية لإسرائيل لتوسيع حربها في اتجاه كل لبنان، وليس فقط حزب الله، كما تحاول أن تسوق في دعايتها السياسية والإعلامية.

قد لا تكترث إسرائيل في هذه اللحظة السياسية لفكرة فرض معاهدة سلام على لبنان، على الأقل ليس قبل تأكدها من هزيمة حزب الله. قد تسعى إسرائيل لتحقيق هذا الهدف من خلال إعادة احتلال شريط حدودي جنوبي لبنان "لحماية" مستوطناتها في الشمال، في تكرار لتجربة سابقة اعتمدتها قبل تحرير لبنان عام 2000. من بلد تمكن من إرغام إسرائيل على الانسحاب العسكري التام دون قيد أو شرط سنة 2000، إلى بلد تحت النيران الإسرائيلية وقد فقد مقومات الدفاع والصمود، يظهر التحول الدراماتيكي في وضع لبنان الإقليمي.