التقييم الوظيفي: بين العدالة والظلم في بيئات العمل السعودية
التقييم الوظيفي: بين العدالة والظلم

في نهاية كل عام وظيفي، يعود المشهد ذاته: مدير يجلس أمام نموذج التقييم، وموظف ينتظر النتيجة، وإدارة موارد بشرية تجمع الدرجات وتحوّلها إلى أرقام وتقارير. وبين هؤلاء جميعًا يبقى السؤال القديم حاضرًا: هل تقويم الأداء الوظيفي يقيس الأداء فعلًا، أم أنه أصبح طقسًا إداريًا يتكرر لأن الأنظمة اعتادت عليه؟

فكرة التقييم النبيلة وتطبيقاتها المشوهة

فكرة التقييم في أصلها نبيلة ومهمة. فلا مؤسسة تستطيع التطور دون أن تعرف مستوى أداء موظفيها، ولا موظف يستطيع تحسين أدائه دون تغذية راجعة صادقة توضح نقاط القوة وفرص التحسين. لذلك نشأت أنظمة التقييم لتكون أداة تطوير قبل أن تكون أداة محاسبة، وأداة بناء قبل أن تكون وسيلة تصنيف. لكن المشكلة لا تكمن في المبدأ، بل في التطبيق!

فالمدير المباشر، وهو الحلقة الأهم في عملية التقييم، ليس دائمًا مؤهلًا للقيام بهذا الدور بالشكل الصحيح. فكثير من المديرين يتعاملون مع التقييم باعتباره عبئًا إداريًا يجب الانتهاء منه قبل الموعد المحدد، فيلجؤون إلى التقديرات المتوسطة أو المرتفعة للجميع هروبًا من النقاشات والاعتراضات. وبعضهم يقع تحت تأثير العلاقات الشخصية أو الانطباعات الأخيرة أو المواقف العابرة، فيصبح التقييم انعكاسًا للمشاعر أكثر من كونه انعكاسًا للأداء.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وجهات نظر متضاربة بين الموظفين والمديرين

وفي المقابل، لا يخلو الطرف الآخر من المشكلة. فالكثير من الموظفين ينظرون إلى التقييم باعتباره شهادة تقدير لا أداة قياس. فإذا حصل على درجة مرتفعة اعتبرها حقًا طبيعيًا، وإذا انخفضت درجته رأى في ذلك ظلمًا شخصيًا أو استهدافًا مباشرًا. وهنا تضيع فلسفة التقييم الحقيقية بين توقعات الموظف وحسابات المدير.

أما الإشكالية الأكبر فهي أن بعض نماذج التقييم صُممت وكأنها تصلح للجميع، رغم أن الواقع الوظيفي أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فليس من المنطقي أن يُقيَّم موظف جديد ما زال يتعلم أساسيات العمل بالمعايير ذاتها التي يُقيَّم بها خبير أمضى عشرين أو ثلاثين عامًا في المهنة. وليس من المنطقي أيضًا أن تُعامل الخبرات التراكمية الطويلة وكأنها لا تضيف شيئًا إلى معادلة الأداء.

هل يجب أن يستمر التقييم السنوي للجميع؟

وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يجب أن يستمر التقييم السنوي لكل موظف مهما بلغ من الخبرة والكفاءة؟ الإجابة ليست سهلة. فمن جهة، لا يوجد موظف فوق المراجعة أو المساءلة أو التطوير، فالأداء الوظيفي ليس حالة ثابتة. ومن جهة أخرى، فإن التعامل مع أصحاب الخبرات الكبيرة بالطريقة ذاتها التي يُعامل بها الموظف المبتدئ قد يفقد التقييم معناه ويجعله إجراءً شكليًا لا أكثر.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ربما يكون الحل في تغيير فلسفة التقييم لا إلغائه. فالموظف الجديد يحتاج إلى تقييم تفصيلي يقيس الالتزام والتعلم والإنجاز. أما الموظف الخبير فينبغي أن يُنظر إلى أثره المؤسسي، وإسهامه في نقل المعرفة، وقدرته على صناعة الفرق وتطوير العمل. فمعايير النجاح تختلف باختلاف المراحل المهنية، بينما تصر بعض النماذج الحالية على استخدام المقياس ذاته للجميع.

توزيع التقديرات المسبقة: آفة التقييم الحديث

ومن أكثر الممارسات إثارة للاستغراب أن تُلزم بعض الجهات المديرين بتوزيع التقديرات وفق نسب محددة سلفًا؛ فيُطلب منهم أن يكون عدد الحاصلين على الدرجة الكاملة محدودًا، وعدد آخر في الفئات الأدنى، بينما توضع الغالبية في المنطقة الوسطى بغض النظر عن مستوى الأداء الحقيقي. في هذه الحالة لا يعود المدير مقيمًا للأداء، يصبح موزعًا للحصص. وقد يجد نفسه أمام فريق متميز بأكمله، لكنه يُجبر على خفض درجات بعضهم فقط لأن النموذج يتطلب ذلك، أو أمام فريق متواضع الأداء فيُمنح بعض أفراده درجات أعلى لإكمال النسبة المطلوبة. وهنا ينتقل التقييم من كونه أداة للعدالة إلى عملية حسابية مصطنعة تسيء إلى الموظف وتحرج المدير في آن واحد.

والأخطر من ذلك أن هذه السياسة تهدم الثقة بين الموظف ورئيسه المباشر. فالمدير الذي يعرف حقيقة أداء موظفه ويضطر إلى منحه درجة أقل مما يستحق يفقد جزءًا من مصداقيته أمام فريقه، بينما يشعر الموظف بأن جهده لم يكن هو معيار الحكم الحقيقي. وعندما تفقد العدالة حضورها في التقييم، يفقد التقييم نفسه قيمته وتأثيره، ويتحول إلى إجراء بيروقراطي لا أكثر.

والحقيقة أن المدير الناجح يجب أن يكون شاهدًا على الأداء لا منفذًا لحصص رقمية مفروضة عليه، لأن العدالة لا تُبنى على النسب، بل على استحقاق كل موظف لما قدمه فعلًا.

مفاجآت نهاية العام: أين كانت الإدارة طوال العام؟

ومن أوجه الخلل التي تتكرر في بعض بيئات العمل أن يفاجأ الموظف في نهاية العام بدرجة متدنية أو ملاحظات جوهرية لم يسمع عنها طوال أشهر السنة. وهذه الممارسة تطرح سؤالًا مهمًا: أين كانت الإدارة طوال تلك الفترة؟ فإذا كان الموظف مقصرًا فعلًا، فإن مسؤولية المدير لا تقتصر على رصد القصور، بل تمتد إلى التنبيه والتوجيه وتقديم الدعم اللازم لمعالجته. أما الانتظار حتى موعد التقييم السنوي ثم إبلاغ الموظف بأن أداءه كان ضعيفًا طوال العام، فهو أقرب إلى تسجيل الأخطاء منه إلى إدارة الأداء.

والأشد قسوة أن تترتب على هذا التقييم آثار وظيفية كبيرة كحرمان من مزايا أو عدم تجديد عقد أو تعطيل فرص الترقية، بينما لم يُمنح الموظف فرصة حقيقية لتصحيح مساره. فالعدالة الإدارية تقتضي أن يكون هناك حوار مهني دوري، ومراجعات ربع سنوية أو نصف سنوية، وخطط تحسين واضحة، بحيث يعلم الموظف أين يقف، وما المطلوب منه، وكيف يمكنه تدارك أوجه القصور قبل أن تتحول إلى عقوبة متأخرة. فالتقييم الناجح لا يفاجئ الموظف بنتيجته، بقدر ما يجعله يعرفها مسبقًا لأنه عاش تفاصيلها خطوة بخطوة طوال العام.

دعوة لإعادة النظر في فلسفة التقييم

إن تقويم الأداء الوظيفي سيبقى ضرورة إدارية لا غنى عنها، لكن قيمته الحقيقية لا تكمن في النماذج والدرجات، ولكن في عدالته وموضوعيته وقدرته على عكس الواقع. فالتقييم الذي لا يفهمه الموظف، ولا يحسنه المدير، ولا يواكب الواقع الذي صُمم من أجله، يتحول من أداة تطوير إلى مصدر تذمر وإحباط.

وحينها لا يكون السؤال: كم حصل الموظف من درجة؟ سيكون: ماذا أضاف هذا التقييم للمؤسسة وللموظف ولجودة العمل؟ فإذا لم تكن هناك إجابة واضحة، فقد يكون الوقت قد حان لإعادة النظر في فلسفة التقييم كلها، لا في درجاته فقط.