غياب منصة وطنية موحدة لبنوك الدم يهدر تبرعات المتطوعين
غياب منصة وطنية موحدة لبنوك الدم يهدر تبرعات المتطوعين

يشير مقال إلى معاناة المتبرعين بالدم في بعض مستشفيات الرياض وغيرها بسبب اعتذار بنوك الدم عن استقبال تبرعات لفصائل "غير مطلوبة حالياً"، رغم احتمال وجود نقص حاد للفصيلة نفسها في مستشفيات أخرى قريبة. ويكشف الكاتب عن فجوة تنظيمية تتمثل في غياب منصة وطنية موحدة تربط بين 412 بنك دم في المملكة، وتوجه المتبرعين رقمياً حسب الحاجة الفعلية، محذراً من أن إدارة التبرع بمنطق الاكتفاء الذاتي لكل مستشفى تهدر طاقة المتطوعين وتفقد النظام الصحي مورداً إنسانياً استراتيجياً.

تجربة شخصية تعكس أزمة إدارية

حين توجهتُ للتبرع بالدم في أحد المستشفيات الخاصة بالرياض القريبة من منزلي، كنت أحمل في قلبي دافعاً نبيلاً لإنقاذ حياة، لكنني اصطدمت بإجابة صادمة ومختصرة: "فصيلتك ليست مطلوبة حالياً". هذا الرد الذي يتلقاه الكثيرون، لا يمثل اعتذاراً إجرائياً، إنما ثغرة في "المنظومة الصحية" تعكس غياب الربط الوطني الشامل بين بنوك الدم في القطاعين الحكومي والخاص.

من المفارقات المحبطة أننا نملك ذاكرة مؤسسية تخبرنا بأن بنوك الدم في المملكة كانت في زمنٍ مضى تعمل وفق منظومة ربط وتنسيق فعالة، إلا أن هذا التناغم تراجع اليوم ليصبح التبرع محصوراً في احتياج آني ومحلي داخل أسوار المستشفى الواحد، بدلاً من كونه مورداً وطنياً استراتيجياً. يضعنا التعامل مع التبرع بهذا المنطق أمام واقع مؤلم، ففي الوقت الذي تكتفي فيه مؤسسة صحية وتعتذر عن استقبال متبرع لوفرة مخزونها، قد تعاني مستشفى أخرى في المربع المجاور من نقص حاد في الفصيلة ذاتها.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

فجوة تنظيمية وغياب الرؤية الوطنية

يكشف هذا الوضع عن فجوة تنظيمية تتجاوز "سياسة داخلية" للمستشفيات، لتصل إلى غياب "منصة وطنية" ذكية تملك الرؤية الكاملة عن حاجة كل بنك، وتوجه المتبرع بذكاء رقمي إلى حيث تشتد الحاجة، فتضمن أن كل قطرة دم تجد طريقها لمريض في أمسّ الحاجة إليها. خاصة وأن لدينا بقطاع وزارة الصحة عدد 152 بنك دم منها 15 بنك دم مركزيًا، و17 بنك دم رئيسي، إلى جانب 120 بنك دم فرعيًا، كما أن الجهات الحكومية الأخرى لديها 42 بنك دم، إضافة لبنوك الدم في المستشفيات الخاصة، ليصل عدد بنوك الدم في المملكة إلى 412 بنك دم. وهذا العدد الكبير في حاجة يومية لدماء جديدة من المتبرعين لجميع فصائل الدم.

إهدار للطاقة البشرية المتطوعة

في تقديري .. إدارة التبرع بالدم بذهنية الاكتفاء الذاتي المحدود تعني إهداراً للطاقة البشرية المتطوعة؛ فالمتبرع الذي يخرج من المستشفى مرفوضاً قد لا يعود مرة أخرى، وبذلك نفقد مخزوناً بشرياً متجدداً كان من الممكن أن ينقذ حياة. نحن في دولة مترامية الأطراف، ولدينا من التقنية والقدرات ما يجعلنا نستعيد ذلك الربط الذي فُقد في هذه الأيام، ونمنع هذا النزيف الإداري الذي يضيع الفرص الإنسانية في أرشيف "غير مطلوب حالياً".

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ضرورة الرقمنة التشاركية

يفرض الواقع علينا التحول من الإدارة الفردية لبنوك الدم إلى الرقمنة التشاركية، فدمج هذه البنوك في شبكة وطنية موحدة ليس صعباً ولا ترفاً إنما ضرورة أمنية وصحية. يجب ألا يكون عائق التبرع إلا مانعاً صحياً يخص المتبرع نفسه، أما توجيهه للوجهة الصحيحة فهي مسؤولية المنظومة التي يجب أن تحمي هذا الإيثار من الضياع، لتحول كل نبضة قلب صادقة إلى إنقاذ حقيقي لأرواحٍ تنتظر.