قال فادي منتش، مدير حسابات العملاء في شركة كلاوديرا في المملكة العربية السعودية، إن مبدأ «السحابة أولاً» (Cloud-First) ظل لسنوات طويلة المبدأ التوجيهي والمحرك الأساسي للمنشآت في منطقة الشرق الأوسط الساعية إلى التوسع المتسارع والانتقال إلى الحوسبة السحابية، مدفوعة بوعود المرونة والسرعة والتكلفة المنخفضة. وأضاف أن عام 2026 يحمل واقعاً جديداً لم يعد فيه هذا المبدأ كافياً وحده؛ إذ أدت الاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي، وأطر سيادة البيانات، والتوجه الإقليمي المتسارع لدمج الذكاء الاصطناعي في العمليات الجوهرية، إلى تغيير قواعد اللعبة جذرياً.
تحول جذري في أولويات التحول الرقمي
أشار منتش إلى أن سيادة البيانات لم تعد مجرد مسألة ثانوية تُترك للإدارات القانونية، بل إن منطقة الشرق الأوسط تشهد بزوغ فجر جديد بصفتها قوة مركزية في قطاع مراكز البيانات، وسط توقعات بتضاعف السعة الإقليمية ثلاث مرات خلال السنوات الخمس المقبلة. وأوضح أن هذا النمو مدفوع بالطفرة في الحوسبة السحابية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، واستثمارات مزودي الخدمات السحابية الضخمة، إلى جانب البيئة التنظيمية الداعمة والمتمثلة في متطلبات توطين البيانات في المملكة العربية السعودية.
السيادة عبر التصميم: نهج هندسي جديد
أضاف منتش أن تبني نهج «السيادة عبر التصميم» (Sovereignty by Design) يضمن التعامل مع السيادة باعتبارها متطلباً بنيوياً وهندسياً محورياً منذ الخطوة الأولى، ومسؤولية أصيلة تقع على عاتق فرق تقنية المعلومات ومهندسي النظم وصناع القرار التقني. وأكد أنه عندما تُبنى السيادة على ركائز متينة، فإنها تقي المنشآت عناء إعادة العمل المكلفة وتحد من تراكم «الدين التقني». ولفت إلى أن الطلب على السيادة يتنامى باطراد؛ فكلما تغلغل الذكاء الاصطناعي في عمق العمليات الأساسية بمنطقة الخليج، تمددت مسألة السيادة لتشمل دورة حياة الذكاء الاصطناعي بأكملها.
لماذا تتبوأ «السيادة أولاً» الصدارة في 2026؟
قال منتش إن المشهد التنظيمي والتشريعي في الشرق الأوسط وصل إلى نقطة تحول تاريخية، حيث تترجم متطلباته اليوم مباشرة إلى قرارات هندسية وبنيوية حاسمة. وأوضح أن كلّاً من نظام حماية البيانات الشخصية في المملكة العربية السعودية، والضوابط الأساسية للأمن السيبراني الصادرة عن الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، بالإضافة إلى أطر حوكمة الذكاء الاصطناعي والاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي الصادرة عن «سدايا»، يشكل المنظومة التشريعية المتكاملة لبيانات الأفراد والأمن السيبراني والتطوير المسؤول للذكاء الاصطناعي، بما يغطي جمع البيانات وتدريب النماذج ونشرها وحوكمتها المستمرة.
الشروط الأساسية للامتثال
أضاف أن أي جهة تطبق تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطبيقات حيوية دون القدرة على إثبات مكان معالجة بياناتها أو تدريبها أو تخزينها، لن تواجه مخاطر تهدد سمعتها التجارية فحسب، بل ستصطدم بفجوة حوكمة موثقة وصارمة. وأشار إلى أن النتيجة واضحة؛ إذ يبدأ الامتثال من القرار المتخذ بشأن البنية التحتية. وأوضح أن تحقيق ذلك يتطلب استيفاء أربعة شروط أساسية:
- بنية تحتية معزولة مادياً يديرها موظفون مصرح لهم محلياً.
- منصة سحابية مرنة العمل في أي بيئة (Cloud-anywhere) تضمن التحكم في البيانات وتتيح الوصول الآمن إليها عبر كافة البيئات.
- طبقة حوكمة موحدة تطبق السياسات الأمنية وتتبع تسلسل وأصل البيانات عبر جميع البيئات.
- تحكم تشفيري يضمن قصر صلاحية الوصول إلى البيانات على الجهات المصرح لها فقط داخل النطاق القضائي والمكاني المحدد.
السيادة أعمق من مجرد إقامة البيانات في مكان ما
قال منتش إن الركائز الأربع المذكورة، وهي العزل المادي والتحكم في البيانات مع الوصول الآمن والحوكمة الموحدة والتحكم التشفيري، تشكل الحجر الأساس لهندسة سيادة البيانات. وأوضح أن أهمية هذه الركائز تتجلى بمجرد النظر إلى السيادة ليس كمفهوم قانوني مجرد، بل كمتطلب هندسي وبنيوي حتمي. وأضاف أن المنشآت التي تأخذ مسألة السيادة على محمل الجد تواجه طبقات متعددة؛ إذ تُعنى الطبقة الأولى بتحديد موقع البيانات والجهات المخولة بالوصول إليها والمظلة القانونية التي تحكمها، مع ضرورة إبقاء عمليات نقل البيانات عابرة الحدود قابلة للتتبع وخاضعة لرقابة صارمة.
تجنب فخ الارتباط الاحتكاري بالمورد
أشار إلى أن هذا لا يعدو كونه القشرة الخارجية للمسألة؛ حيث إن الكثير من المنشآت تغفل عن الواقع التقني الكامن وراء ذلك، والمتمثل في أن الارتهان لصيغ ملكية حصرية ومنصات مغلقة يقود حتماً إلى الوقوع في فخ «الارتباط الاحتكاري بالمورد»، مما يسلبها القدرة على تغيير مزودي الخدمة أو نقل أعباء العمل، وبالتالي التضحية بجزء كبير من حرية تصرفها. وأوضح أنه حتى المنشآت التي نجحت في إدارة هذا الجانب، لا يزال يتعين عليها التعامل مع طبقة ثالثة تتمثل في من يدير هذه الأنظمة فعلياً، إذ يجب أن تقتصر العمليات الحساسة على موظفين مصرح لهم محلياً وبما يقع خارج نطاق القوانين والولايات القضائية الأجنبية.
سيادة الذكاء الاصطناعي: السيطرة على دورة الحياة الكاملة
قال منتش إنه في هذا السياق المتقدم، تتداخل استراتيجية البيانات وتتشابك مع هندسة الذكاء الاصطناعي. وأوضح أن مفهوم «الذكاء الاصطناعي الخاص» (Private AI) يقوم على مبدأ أساسي مفاده تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي ضمن بيئة محكومة ومسيطر عليها بالكامل، تُضمن فيها حماية البيانات وضوابط الوصول والحوكمة طوال دورة الحياة الكاملة؛ بحيث تبقى بيانات التدريب ومسارات الاستدلال والنماذج وصلاحيات الوصول ضمن محيط سيادي محدد بدقة.
ثلاثة أمور رئيسية للذكاء الاصطناعي الخاص
أضاف أن هذا التوجه يترجم عملياً إلى ثلاثة أمور رئيسية: أولاً، تشغيل النماذج في بيئة تسيطر عليها المنشأة بالكامل، سواء كانت مراكز بيانات داخلية أو في منطقة سحابية سيادية أو عبر بيئة هجينة. ثانياً، إبقاء خيارات نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة؛ إذ تتطلب الاستقلالية التقنية الحرية التامة في اختيار النموذج الأنسب دون السقوط في قيود المورد الاحتكارية. ثالثاً، ضمان الحوكمة عبر دورة حياة الذكاء الاصطناعي بأكملها، بدءاً من ضوابط الوصول وتتبع أصل البيانات وصولاً إلى التسجيل السلس لكل عملية استدلال. وأكد أن المنشآت التي تضع هذا الحجر الأساس ستتمكن من توسيع نطاق أعباء عمل الذكاء الاصطناعي بسرعة أكبر؛ نظراً لأن الامتثال لم يعد ميزة تُضاف لاحقاً، بل هو قيمة متجذرة في أصل النظام منذ البداية.
السيطرة والابتكار وجهان لعملة واحدة
قال منتش إن الفكرة الشائعة والمغلوطة في جدلية السيادة تتمحور حول الاعتقاد بأن السعي نحو فرض السيطرة يقتضي التضحية بسرعات الابتكار. وأوضح أن هذا التناقض يتلاشى بمجرد تبني السيادة كأصل بنيوي منذ اللحظة الأولى للتصميم، وليس كقيود تُفرض لاحقاً. وأضاف أن المنشآت في منطقة الشرق الأوسط التي تؤسس بنيتها التحتية وفقاً لمبدأ «السيادة أولاً» تملك القدرة على الاستفادة القصوى من السرعات الابتكارية الهائلة التي تتيحها البنى التحتية السحابية، مع الاحتفاظ بزمام السيطرة المطلقة على البيانات والنماذج ومسارات الاستدلال وصلاحيات الوصول التشغيلية. وأكد أن «السيادة أولاً» هو القرار الاستراتيجي والبنيوي الذي يجعل من هذه الآفاق أداة مستدامة وفعالة على المدى الطويل. وأشار منتش إلى أن المنشآت التي تستوعب هذا المبدأ وتجعله جزءاً من ثقافتها تؤسس لقاعدة صلبة يتكامل فيها الابتكار والسيطرة والامتثال، ليعزز بعضها بعضاً بدلاً من أن يتصادموا.



