انطلقت يوم الخميس الماضي بطولة الدورة الثالثة والعشرين لمونديال 2026 (كأس العالم لكرة القدم)، الذي تساهم في إقامة فعالياته ثلاث دول هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وتشارك في المنافسة للفوز بالكأس، ولأول مرة، 48 فريقاً تمثل 48 دولة من جميع قارات العالم. ولأول مرة تصطدم هذه الفعالية الرياضية بشكل مباشر وحاد بين نفوذ الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) وإحدى الدول المضيفة.
قوانين الفيفا والسيادة الوطنية
من جانب، هناك قوانين وأنظمة الفيفا التي من المفترض أن تسري وتحترم من جميع دول العالم، لكنها تتجاوز في أحيان كثيرة مبدأ السيادة الوطنية للدول، مما يجعل أهم وأعلى منظمة سياسية أممية (الأمم المتحدة) تغار من الفيفا من حيث نفوذها وفرضها لقوانينها على الدول الأعضاء، حتى في ما يخص قوانين وقواعد اللعبة، لتطال التفصيلات الدقيقة لقواعد وأنظمة الفيفا فيما يخص ممارسة اللعبة داخل الدول نفسها.
من جانب آخر، يتجاوز نفوذ الفيفا ما يفرضه من قوانين وأنظمة تصل في دقتها إلى اختيار مواصفات كرة القدم نفسها وملابس اللاعبين والتأكد من أصالة هويتهم الوطنية وسنهم وما إذا كانوا يتعاطون منشطات تؤثر على نزاهة وشفافية البعد التنافسي للعبة. كما أن أنظمة الفيفا تفرض على الدول المضيفة لمباريات كرة القدم مواصفات دقيقة للمنشآت الرياضية، مع القدرة الجبرية لفرض غرامات تأديبية على الدول واللاعبين والسلطات المنظمة للفعاليات، حتى في المنافسات المحلية. إجراءات وتدابير تفرضها الفيفا على الدول دون اعتبار لمبدأ السيادة الذي تضحي به الدول، وهو أغلى ما تعتز به وتدافع عنه بشراسة، بل وتفرض على المؤسسات الدولية احترامه، بما في ذلك الأمم المتحدة التي تعلق الدول عضويتها فيها بشرط عدم المساس بقدسية سيادتها.
مكانة الفيفا كعملاق مؤسساتي غير رسمي
هذه المكانة الرفيعة للفيفا جعلت منها عملاقاً مؤسساتياً أممياً غير رسمي يتمتع بهيمنة كونية ناعمة تغار وتخضع لنفوذها دول عظمى بكل ما تملكه من عناصر القوة الخشنة والناعمة. هذه القوة الناعمة الجبارة العابرة للقارات والحدود حظيت بها الفيفا نتيجة لشعبية أو بالأحرى شعبوية لعبة كرة القدم التي لم تحظ بها تاريخياً أي قوة عظمى.
تأثير السياسة على الفيفا
لكن لعبة كرة القدم وما تمثله من رسوخ يكاد يصل للإذعان من قبل الدول الأعضاء لا يعني انفكاك الفيفا من تأثير متغير السياسة ومشروعيته الأممية والمحلية على سلوك الاتحاد وتوجه ومواقف الدول الأعضاء. يأبى متغير السياسة إلا أن يسبغ قيم حركته وبعد نفوذه على اتحاد كرة القدم بما يتوافق مع سلوك أعضاء الاتحاد من الدول، بالذات تلك التي تقام على أراضيها فعاليات المنافسة الأممية لنيل بطولة كأس العالم التي تقام كل أربع سنوات. بالطبع ذلك لا يخرج عن مجال حركة القوة الحقيقية التي تنطبق بصورة قسرية على حالة توازن القوة الحقيقي على مسرح السياسة الدولية. بالقطع: مدى خضوع مجتمع الدول لقوانين وتدابير الفيفا في ما يخص ممارسة اللعبة يختلف من دولة لأخرى باختلاف وضعية توازن القوة الأممي على مسرح السياسة الدولية. على سبيل المثال: تنظيم البطولة من قبل دولة عظمى مثل الولايات المتحدة غير ذلك الذي تحظى به دولة أخرى في النظام الدولي.
مقارنة بين قطر 2022 وأمريكا 2026
لنأخذ مثلاً تجربة إقامة البطولة في قطر 2022 الماضية وإقامة البطولة ولو جزء منها في الولايات المتحدة كما هو الحال في البطولة الحديثة. قطر في البطولة السابقة كان بالنسبة لها نجاح البطولة أكثر منه الإذعان لقواعد وقوانين وتدابير إجراءات إقامة فعالياتها، إلا أنها لم تخضع تماماً لقوانين وأنظمة الفيفا. بينما في البطولة الحالية كان منطق الدولة بالنسبة لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة يفرض قيمه وحركة مؤسساته الوطنية على فعاليات البطولة وحتى احترام قوانين وتدابير البطولة في ذلك الجزء من البطولة المقام على أراضيها. من يرى في الإجراءات التي تمارسها الحكومة الأمريكية فيما يخص فعاليات البطولة المقامة على أراضيها إنما هو في حقيقة الأمر سلوك طبيعي وإن كان مستهجناً من قبل البعض يظهر الفرق في سلوك وتوجه دولة عظمى مثل الولايات المتحدة وذلك الذي تقبل به دولة هامشية في النظام الدولي. الولايات المتحدة لا يهمها نجاح البطولة من عدمه بقدر اهتمامها بالحفاظ على هيبة مكانتها الأممية الكونية.
دروس من أولمبياد 1936
في أولمبياد صيف 1936 المقام في برلين لم يكن هتلر يكترث لنجاح البطولة الدولية بقدر ما كان نظامه العنصري يكترث لتسويق قيمه أممياً لإثبات فرضية تفوق العرق الآري (السوبر مان الألماني). لذلك لم يتحرج هتلر من إبداء امتعاضه وخروجه من إحدى الفعاليات عندما تفوق عداء أمريكي أسود على منافسه الألماني الأبيض.
الخاتمة
مهما كانت قيمة التنافسية المجردة التي تظهرها لعبة كرة القدم وغيرها من النشاطات والفعاليات الرياضية يبقى البعد السياسي المجرد وراء إقبال الدول على المشاركة في الفعاليات الرياضية يجذبها بريق حصد الميداليات في تلك المنافسات كجزء من الصورة الكبرى للمنافسة الندية اللدود على موارد القوة المادية الحقيقية في مضمار التنافس الكوني حتى في مضمار الرياضة.



