حمار طروادة: عندما تتحول الخيانة إلى غباء عابر للقارات
دعنا نتحدث بصراحة، يا عزيزي القارئ، دون أي سخرية من سذاجتي المفرطة. لقد عشت لسنوات طويلة داخل فقاعة رومانسية جميلة، حيث كنت أقنع نفسي بأن كل هذا الضجيج حول الانتماءات العابرة للحدود والولاءات المستوردة من الخارج ليس سوى ترف فكري أو هذيان يمارسه البعض في أوقات السلم والرخاء.
الصدمة التي غيرت كل شيء
كنت أعتقد، ويا لخيبتي، أنه بمجرد أن تدق طبول الحرب وتتطاير شظايا الصواريخ في سماء ديرتنا، ستتبخر كل هذه الانتماءات الهلامية. كنت أظن أن الجميع سيعودون إلى رشدهم، ليقفوا صفاً واحداً خلف علم البلاد، لأن غريزة البقاء والخوف على العرض والأرض ستنتصر حتماً على أي أيديولوجيا معلبة.
لكن الصدمة المروعة التي صفعتني على وجهي أخيراً هي أن الحرب لم تُذِب هذه الولاءات، بل حمّصتها وأبرزت رائحتها العفنة! لقد اكتشفت أن هناك من يعيش بيننا، يأكل من خبزنا المدعوم، ويشرب من مائنا المقطر، ويستمتع بالأمن والأمان في شوارعنا، لكن الريموت كنترول الذي يحرك أدمغتهم موجود في عاصمة أخرى!
من حصان طروادة إلى حمار طروادة
في الأساطير اليونانية، ابتكر الإغريق خديعة عبقرية أسموها حصان طروادة؛ مجسم خشبي مهيب ابتلعته المدينة المحاصرة، فخرج منه الفرسان ليلاً ليفتحوا الأبواب للغزاة. كانت خيانة مبنية على الدهاء والذكاء.
أما نحن في عالمنا العربي عامة، وفي الكويت خاصة، فلم نُبتلَ بفرسان ودهاء، بل ابتلينا بحمار طروادة! نعم يا سادة، حمار طروادة ليس مجسماً خشبياً، بل هو كائن بشري يعاني من حول أخلاقي وشلل إدراكي. تراه ينام في بيته المكيف في الكويت، لكن قلبه يخفق تأمراً مع من يرسل الصواريخ فوق سقف بيته!
الخيانة في عصر التكنولوجيا
يتمنى هذا النوع من الخونة بفارغ الصبر أن ينتصر المشروع التوسعي الخارجي، حتى لو كان ثمن هذا الانتصار هو دمار وطنه وتشريد أسرته. لحسن الحظ، فإن وزارة الداخلية لدينا لم تكن نائمة في العسل. لقد تابعت بانبهار ممزوج بالشفقة كيف قامت عيون الداخلية باصطياد هؤلاء الطرواديون الخونة واحداً تلو الآخر خلال هذه الحرب.
المضحك في الأمر، أن خائن هذا الزمان فقد حتى أناقة الخيانة؛ فهو لا يتبادل الشفرات السرية في معاطف سوداء تحت المطر كأفلام جيمس بوند، بل يمارس خيانته بغباء منقطع النظير عبر رسائل الواتساب، وتغريدات تويتر، ومجموعات التليغرام! يرسل الإحداثيات، أو يجمع التبرعات المشبوهة، أو يبث الإشاعات لزعزعة الجبهة الداخلية، وهو يظن نفسه مناضلاً أممياً، بينما هو في الحقيقة مجرد بيدق رخيص يتم التضحية به في أول جولة.
كيف يصل العقل إلى هذا الدرك؟
كيف يمكن لعقل بشري أن ينحدر إلى هذا الدرك؟ كيف يمكن لمواطن أو مقيم أن يتحول إلى طابور خامس يطعن الظهر الذي يحميه؟ الإجابة تكمن في غسيل الدماغ الممنهج الذي تمارسه تلك الأيديولوجيات العابرة للحدود، والتي تُقنع الخونة أتباعها بأن الدولة الوطنية مجرد صنم يجب كسره، وأن الولاء للمرشد أو للحزب أو للمذهب هو الطريق الوحيد لدخول الجنة... وكأن الجنة لا تُفتح أبوابها إلا على أنقاض أوطاننا!
الاستيقاظ من الغفلة
لقد كانت صدمة قاسية، نعم، لكنها كانت ضرورية لنستيقظ من غفلتنا. شكراً لوزارة الداخلية التي سحبت هؤلاء الخونة من آذانهم إلى حيث ينتمون حقاً: خلف القضبان، لتثبت لنا أن طروادة قد ينجح في التسلل والدخول، لكنه في النهاية سيبدأ بالنهيق، وسيفضح نفسه بنفسه.
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل خيانة لا يُراد بها إلا دمار الأوطان... تضمحل. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نعيها جميعاً في زمن التحديات والأزمات.



