نعمة الأمن في الكويت: إدراك جديد في زمن التحولات الإقليمية المتسارعة
في عالم يموج بالصخب والاضطرابات، تبرز قيمة الصمت والاطمئنان ككنز ثمين لا يُدرك إلا في لحظات الاهتزاز. عبر هذه السطور، تستعرض الكاتبة الكويتية رقية إبراهيم الشيخ رحلتها الفكرية في إعادة اكتشاف نعمة الأمن والاستقرار في وطنها، الكويت، وذلك في ضوء الأحداث المتسارعة التي شهدتها المنطقة مؤخراً.
من الاعتياد إلى الوعي: إدراك عمق نعمة الأمن
كابنةٍ كويتية وُلدت وترعرعت في أرضٍ طالما اشتهرت باستقرارها وأمانها، كانت رقية تسمع كثيراً أن نعمة الأمن ليست تفصيلاً عابراً في حياة الشعوب، بل هي أساسٌ يُبنى عليه كل تقدم وازدهار. غير أن هذا الكلام ظلّ نظرياً إلى أن هزّت الأحداث الأخيرة مشاعرها بإحساسٍ مختلف، جعلها تدرك أن العيش في وطنٍ ينعم بالأمن ليس أمراً اعتيادياً، بل هو نعمة كبرى لا يُدرك عمقها إلا حين تهتزّ اللحظة، ولو لثوانٍ معدودة.
من خلال تسارع الأحداث في الفترة الأخيرة، أدركت الكاتبة بوعيٍ مغاير هذه المرة كم أن الطمأنينة التي تنعم بها الكويت ودول الخليج ليست منّةً من السماء، بل ثمرة جهدٍ متواصل وحكمةٍ سياسية راشدة. لطالما سمعت أن أوطاناً بأكملها تُحسد على ما تنعم به من استقرار تحت قيادةٍ حكيمة تدير شؤونها بعقلٍ ورويّة، لكن الإنسان لا يستشعر قيمة الثبات إلا حين يرى محيطه يموج بالتحولات والتحديات.
قراءة التاريخ: دروس من الماضي لفهم الحاضر
منذ سنواتها الأولى، قاد فضول رقية إبراهيم الشيخ نحو قراءة التاريخ، لا من باب الترف المعرفي، بل بحثاً عن فهمٍ أعمق لمسار البشر والدول. التاريخ — حين يُقرأ بإنصاف — ليس مجرد سردٍ للحروب والصراعات، بل هو دراسةٌ لتحولات القوة، وصعود الإمبراطوريات وسقوطها، وثمن الخوض في بحر السياسة والاقتصاد والفلسفة.
وقد علّمها التاريخ أن أعظم الكوارث لم تبدأ دائماً بصوتٍ عالٍ، بل أحياناً بسوء تقدير، أو بخللٍ في توازن الردع، أو بانفعالٍ لم يُحسب جيداً. في كل مرة كانت تقرأ فيها عن حربٍ اندلعت، كانت تبحث لا عن لحظة الانفجار، بل عن اللحظة التي سبقتها: أين كان يمكن تفاديها؟ متى كان يمكن احتواؤها؟ وكيف تحوّل الخلاف البسيط إلى صراعٍ مفتوح؟
من هنا أدركت أن السياسة ليست مجرد مواقف وأيديولوجيات، بل هي فن إدارة الاحتمالات والمخاطر. وأن الاستقرار ليس حالة جامدة أو ثابتة، بل هو توازن دقيق يتطلّب وعياً دائماً وحكمةً مستمرة من القيادات والمؤسسات.
قصص الهجرة واللجوء: تذكير بقيمة الأمان
قرأت رقية عن شعوبٍ هجرت أوطانها تحت وطأة الحروب، وعن أسرٍ حملت أطفالها ليلاً بحثاً عن ملاذٍ آمن، وعن مدنٍ كانت نابضة بالحياة ثم تحولت إلى أطلالٍ بفعل نزاعاتٍ لم تُحسن إدارتها. كان الجامع بين تلك القصص كلها كلمة واحدة: الأمان.
فالإنسان، مهما اختلفت ثقافته أو لغته أو دينه، لا يطلب في نهاية المطاف سوى سقفٍ يحميه من العواصف، وسماءٍ لا تمطر خوفاً ورعباً. لطالما بدت تلك الحكايات بعيدة عن واقع الكويتيين؛ كأنها فصولٌ في كتب التاريخ لا أكثر، تُقرأ بعين المتأمل لا بعين المهدَّد، وتُحلَّل ببرود الباحث لا بقلق مَنْ يعيشها.
كان الشعور العام أن المسافة بين الكويت وتلك العواصف مسافة جغرافيا وسياسة، وأن الاستقرار الذي تنعم به البلاد قدرٌ ثابت لا يتزحزح. لكن اللحظات العابرة من القلق كفيلة بأن تعيد ترتيب الإدراك وتغيير المشاعر.
لحظات القلق: إعادة تعريف الاستقرار
حين يقترب صوت الحدث — ولو من بعيد — يتبدل الإحساس، ويدرك الإنسان أن ما كان يراه نظرية في كتب العلاقات الدولية هو في جوهره تجربة بشرية تتعلق بالأمان اليومي، بالنوم الهادئ، وباليقين الذي يسبق كل صباح. من خلال الأحداث المتسارعة في الفترة الأخيرة، وسماع صفارات الإنذار، وحين عاش الناس لحظات قلقٍ لم يعتادوها، تبدّل الإحساس تماماً.
ورغم أن ما مرت به الكويت — بحمد الله — تمت السيطرة عليه بكفاءة ومسؤولية عالية، إلا أن مجرد الإحساس بعدم القدرة على النوم بهدوء، أو انتظار خبرٍ مطمئن، كفيل بأن يوقظ فينا تقديراً جديداً لمعنى الاستقرار. عندها فقط يتضح أن الاستقرار ليس امتيازاً عابراً أو حظاً من السماء، بل هو نتيجة تراكم طويل من الحكمة السياسية، والتوازن الإستراتيجي، وإدارة دقيقة لمحيط إقليمي معقد.
الأوطان التي تنعم بالأمن لا تفعل ذلك صدفة، بل لأن وراء هذا الأمن مؤسساتٍ يقظة، وقراراتٍ محسوبة، وإرادةً واعية تُقدّم مصلحة الدولة فوق كل اعتبار. الكويت، ودول الخليج عموماً، قامت عبر تاريخها الحديث على معادلة دقيقة: الحزم في حماية السيادة، والحكمة في إدارة الأزمات، والتوازن في قراءة الإقليم.
الاستقرار: ثمرة رؤية سياسية راشدة
لم يكن الاستقرار الذي تنعم به الكويت وليد الصدفة أو المحض، بل هو ثمرة رؤيةٍ سياسية راشدة، واستثمارٍ طويل في مؤسسات الدولة، وثقةٍ متبادلة بين القيادة والشعب. لحظات القلق، مهما كانت عابرة، تذكّرنا بأن الأمن مسؤولية مشتركة؛ تبدأ بوعي المواطن، وتترسخ بثقته في مؤسساته، وتتعزز بالتماسك الداخلي في وجه الاشاعات والانفعال وضبط النفس.
نحن اليوم لا نكتب بدافع الخوف أو القلق، بل بدافع الامتنان والتقدير. امتنانٌ لوطنٍ ننتمي إليه لا على الورق فحسب، بل في الوجدان والقلب، لوطنٍ يتجذّر فينا كما تتجذّر الأرض في شجرها، ولقيادةٍ تدير المشهد بعقلٍ وحكمة، ولمجتمعٍ أثبت أن وحدته ليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل قيمةٌ راسخة تشكّل خط الدفاع الأول.
فحبّ الوطن فينا ليس طارئاً ولا ظرفياً، بل هو انتماءٌ أصيل، وولاءٌ ثابت، وإيمانٌ عميق بأن الكويت ليست مجرد مكاناً نعيش فيه، بل هي هويةٌ نعيش بها ونتنفس من خلالها. ونمضي بهذا الخطى ثابتين، واثقين في مستقبل أكثر إشراقاً وأماناً.
اللهم احفظ الكويت قيادةً وشعباً، واحفظ دول الخليج من كل سوء، وأدم علينا نعمة الأمن والاستقرار، واجعل تدبيرنا رشداً وسلاماً، واصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
