التحول السعودي نحو السيادة العسكرية: من الاستهلاك إلى الإنتاج
في خضم التحديات الإقليمية، تبرز المملكة العربية السعودية بقرار سيادي يهدف إلى تحويلها من مجرد مستهلك للسلاح إلى منتج سيادي يمتلك قراره العسكري بالكامل. هذا التحول، الذي يسعى لتحقيق سيادة دفاعية متكاملة بحلول عام 2028، يعتمد على بناء منظومة إنتاج وتسليح وطنية، مستفيداً من الدروس المستخلصة من المواجهات الأخيرة.
درس شاهين: إرث تاريخي يدفع نحو الهندسة السيادية
لا يبدأ الطموح السعودي في توطين الصناعات العسكرية من الصفر، بل يستند إلى إرث تاريخي أثبتت فيه الكوادر الوطنية قدرتها على تطويع التقنيات المعقدة. تجربة منظومة شاهين، التي أعادت الرياض هندستها من الجذور بعد شراء منظومة كروتال الفرنسية، تظهر هذا الجهد. لم تكن مجرد تعديل بسيط، بل شملت إعادة تفكير شاملة لوضعها على هياكل دبابات AMX-30 لزيادة الحركية، ومعايرة راداراتها لتناسب تضاريس الصحراء. اليوم، تدرك القيادة أن امتلاك السلاح يبدأ من فهم أسراره التقنية وتطويرها محلياً.
GAMI وSAMI: العقل والذراع في بناء القبة الموحدة
في قلب هذا التحول، تعمل الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI) كعقل مخطط يوجه الاستثمارات نحو سد الثغرات التي كشفتها الحروب، بهدف رفع نسبة التوطين من 26% إلى 50%. وبالتوازي، تبرز الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) كذراع تنفيذي يحول هذه الرؤى إلى خطوط إنتاج واقعية. الإنجاز الأبرز هو مشروع القبة السعودية الموحدة، وهو نظام قيادة وسيطرة (C4I) سيادي يعمل كدماغ إلكتروني يدمج كافة المنظومات في شبكة رصد واحدة، مما يلغي خطر العمى الراداري ويمنع أي طرف خارجي من التحكم في المنظومة الدفاعية.
توازن الحاجة: شراكات دولية لكسر معادلة الاستنزاف
تتبع المملكة استراتيجية ناضجة لتصحيح الخلل البنيوي في الاعتماد الأحادي على مصادر خارجية، من خلال شراكات مع دول مثل:
- كوريا الجنوبية: عبر منظومة Cheongung II للدفاع متوسط المدى، مع نقل تقنية حقيقي.
- الصين: عبر توطين أنظمة الليزر مثل Silent Hunter، وهو خيار اقتصادي يكسر معادلة الاستنزاف المالي.
خارطة الطريق إلى 2028: عام الاستقلال التام
تتضمن الخطة مرحلتين رئيسيتين:
- عام 2027 (سيادة الذخائر): نضج خطوط إنتاج المقذوفات والمسيرات محلياً لوقف النزيف المالي الهائل.
- عام 2028 (القفزة السيادية): اكتمال القبة الموحدة برمجياً وراداراً وصيانةً، والوصول إلى عتبة 50% توطين مع استقلالية تشغيلية كاملة.
الدرس الأعمق من التحديات الحالية هو أن السيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد البطاريات المنتشرة، بل بعدد العقول السعودية القادرة على تفكيك المنظومات وتطويرها دون الاعتماد على الخارج. بحلول 2028، ستكون المملكة قد حسمت خيارها نحو صناعة درعها بيدها.
