الخرف: رحلة في تاريخ المرض من بينل إلى العصر الحديث
الخرف: تاريخ المرض من بينل إلى اليوم

الخرف: رحلة عبر الزمن في تاريخ المرض العقلي

تتكرر الصورة المؤلمة لكبار السن الذين يفقدون ذاكرتهم وقدراتهم العقلية، تماماً كما وصف القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا}. هذه الحالة التي تثير الأسى في قلوب الأهل والأصدقاء، عندما يزور المرء قريباً عزيزاً فلا يعرفه، أو ينسى الأحداث القريبة، لقد أصبحت واقعاً طبياً معروفاً باسم الخرف أو العته.

بدايات الاهتمام الطبي بالخرف

يعود الاهتمام الطبي المنظم بمرض الخرف إلى العام 1801م، عندما صاغ الطبيب الفرنسي فيليب بينل المصطلح لأول مرة. كان بينل يشغل منصب كبير أطباء مستشفى «لو سالبيترييه» الباريسي، الذي كان يقدم الخدمات الطبية لآلاف النساء المصابات بأمراض مزمنة ومستعصية، بالإضافة إلى مئات المرضى العقليين. في كتابه الشهير «العلاج الطبي-الفلسفي للاعتلال العقلي»، الذي أصبح من الكلاسيكيات في تاريخ الطب النفسي، قدم بينل وصفاً دقيقاً لحالة نفسية أطلق عليها اسم Démence، والتي تعني بالعربية الخرف أو العته.

عرف بينل الخرف كنوع من «تفكك» الوظائف الذهنية، حيث تضعف القدرات العقلية بشكل تدريجي. في فصل خاص بعنوان «الخصائص المميزة للخرف»، وصف بينل مجموعة من الأعراض التي يمكن ملاحظتها بسهولة على المرضى، وهي نفس الأعراض التي نعرفها اليوم في مرض ألزهايمر وغيره من أشكال الخرف.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الأعراض كما وصفها بينل

ذكر بينل في كتابه أن مرضى الخرف يعانون من:

  • تلاحق سريع للأفكار أو تبدلات متواصلة فيها
  • مشاعر متطايرة وغير مترابطة
  • نسيان شامل لجميع الأحداث السابقة
  • إحساس متضائل بالانطباعات الخارجية
  • تعطل ملكة الحكم على الأمور
  • نشاط لا يفتر لكنه غير منتج

هذه الأعراض التي وصفها بينل قبل أكثر من قرنين من الزمان، لا تزال تمثل النواة الأساسية لفهمنا الحديث لمرض الخرف.

تطور المفاهيم الطبية

بعد بينل، جاء تلميذه جان إيتيان إسكيرول ليطور المفاهيم الطبية حول الخرف. في كتابه «عن الأمراض العقلية» الذي نشر عام 1838م، قدم إسكيرول وصفاً أكثر تفصيلاً لحالة مرضى الخرف، مشيراً إلى أنهم:

  1. يفقدون الرغبات والمكروهات
  2. يظهرون لامبالاة تجاه الأشياء التي كانت عزيزة عليهم سابقاً
  3. يلتقون بأقاربهم وأصدقائهم بدون ابتهاج
  4. يشعرون بالضيق نتيجة العزلة
  5. لا يبالون بأي شيء، فلا يمكن لأي شيء أن يؤثر فيهم

كما لاحظ إسكيرول أن مرضى الخرف يعانون من «نوع من العادات أو الاهتمامات السخيفة»، حيث يستمر بعضهم في السير بلا انقطاع وكأنه يبحث عن شيء مفقود، بينما يكون مشي الآخرين بطيئاً وصعباً، ويظل فريق ثالث جالساً في المكان نفسه لأيام أو شهور أو حتى سنوات.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الخرف في العصر الحديث

اليوم، بعد أكثر من مئتي عام على صياغة مصطلح الخرف، لا يزال هذا المرض يشكل تحدياً طبياً واجتماعياً كبيراً. مع تقدم الطب والتكنولوجيا، أصبحت لدينا أدوات تشخيصية وعلاجية أكثر تطوراً، لكن الجوهر الأساسي للمرض كما وصفه بينل وإسكيرول لا يزال قائماً.

يؤثر الخرف على الملايين حول العالم، خاصة مع زيادة متوسط العمر المتوقع. تظهر الأبحاث الحديثة أن المرض لا يؤثر فقط على الذاكرة، بل يمتد ليشمل:

  • القدرات اللغوية والتواصلية
  • المهارات الحركية
  • القدرة على اتخاذ القرارات
  • التوجه المكاني والزماني
  • الشخصية والسلوك

رحلة البحث العلمي حول الخرف مستمرة، من محاولات فهم الأسباب الجينية والبيئية، إلى تطوير أدوية جديدة وبرامج تأهيلية. لكن تبقى الوقاية والرعاية المبكرة من أهم الاستراتيجيات للتعامل مع هذا المرض الذي يمس كرامة الإنسان ويؤثر على جودة حياته.