ضياع الموهبة السعودية أخطر من خسارة مباراة للمنتخب
ضياع الموهبة السعودية أخطر من خسارة مباراة للمنتخب

كلما تعثر المنتخب السعودي، انشغل الناس بالنتائج، وتعددت الآراء حول اللاعبين والمدربين والإداريين، غير أن الأمم التي تصنع مستقبلها لا تتوقف طويلاً عند تفاصيل الحدث، بل تتجاوزه إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا تكشف هذه النتائج عن واقع المنظومة؟ فالمنتخب ليس سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة تبدأ باكتشاف الموهبة، ثم رعايتها وتأهيلها وصقلها، قبل أن تصل إلى تمثيل الوطن في أكبر المحافل الرياضية.

الثروة الحقيقية في الإنسان وليس الأرض

وحين نتأمل أسباب تفوق الأمم، ندرك أن الثروة الحقيقية لا تكمن فيما تختزنه الأرض من موارد، بل فيما تنتجه من إنسان. فالموهبة الرياضية واحدة من هذه الثروات الوطنية التي لا تُقاس قيمتها بوجودها فحسب، بل بقدرة المنظومة على اكتشافها واستثمارها. ولعل هذا ما أكده رائد الإدارة الحديثة بيتر دراكر حين جعل العنصر البشري أثمن أصول المؤسسات وأكثرها قدرة على صناعة القيمة. فالموارد قد تتشابه بين الدول، لكن الفارق الحقيقي تصنعه العقول والقدرات التي تحسن توظيف تلك الموارد وتحويلها إلى إنجاز.

المشكلة ليست ندرة المواهب بل فجوة الوصول

ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بندرة المواهب، فالمملكة بما تملكه من إمكانات بشرية ورياضية واسعة تزخر بالطاقات الواعدة. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بوضوح: هل تصل أفضل المواهب إلى أفضل الفرص؟ لقد أثبتت تجارب الأمم أن التفوق لا يرتبط بعدد السكان ولا بضخامة الموارد وحدها. فكم من دول محدودة الإمكانات حققت حضوراً رياضياً لافتاً، بينما أخفقت دول أخرى تملك أضعاف ما تملكه من مقومات. والسبب أن الإنجاز لا تصنعه الوفرة وحدها، وإنما يصنعه حسن الانتقاء وحسن التوظيف.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

ولعل تاريخ الرياضة خير شاهد على ذلك؛ فالتفوق لا يكون دائماً من نصيب الأكثر عدداً، بل من نصيب الأكثر قدرة على اكتشاف عناصره وتوظيفها. ولهذا يمكن القول إن المشكلة ليست أن المملكة لا تملك المواهب، بل إن بعض المواهب قد لا تصل بعد إلى المنظومة القادرة على اكتشافها وصقلها والاستفادة منها.

الفجوة بين الرؤية والتطبيق

غير أن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكون في غياب الرؤية، بل في الفجوة بين الرؤية والتطبيق. فكثير من المؤسسات تمتلك خططاً استراتيجية طموحة، لكنها لا تحقق النتائج المرجوة لأن التنفيذ لا يسير بالكفاءة ذاتها. فالخطط لا تصنع الإنجاز بمجرد وجودها، وإنما حين تتحول إلى برامج عملية ومؤشرات أداء قابلة للقياس والمتابعة. فالرؤية تُولد في غرف التخطيط، لكن الإنجاز يُولد في ميادين التنفيذ. وهنا يحضر قول بيتر دراكر: «الخطط ليست سوى نوايا حسنة ما لم تتحول إلى عمل». وهي عبارة تختصر جانباً مهماً من التحدي؛ فالفارق بين المؤسسات ليس في امتلاك الخطط، بل في القدرة على تحويل الخطط إلى نتائج.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

مراجعة آليات التطبيق وليس النتائج فقط

ومن هنا، فإن مراجعة واقع المنتخب السعودي لا ينبغي أن تنحصر في تقييم النتائج أو الأشخاص، بل تمتد إلى مراجعة آليات التطبيق، ومدى نجاح المنظومة في تحويل أهدافها الاستراتيجية إلى مخرجات ملموسة. فالموهبة السعودية موجودة، والدعم متوفر، والطموح الوطني كبير، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الوصول إلى أفضل العناصر، ثم تطويرها والمحافظة عليها وتوظيفها التوظيف الأمثل.

مشروع وطني متكامل للكشف عن المواهب

ولهذا، تبرز الحاجة إلى مشروع وطني متكامل للكشف عن المواهب، يعتمد على شبكة احترافية من الكشافين تغطي مختلف مناطق المملكة، وتعمل وفق معايير فنية وبدنية دقيقة، بما يضمن ألا تضيع موهبة بسبب البعد الجغرافي أو ضعف الفرصة أو غياب المتابعة. كما أن بناء الفريق لا يقوم على جمع الأسماء الجيدة فحسب، بل على حسن قراءة الفوارق بين اللاعبين وتوظيفها داخل منظومة متكاملة. فهناك من يتميز في التمركز، وآخر في الافتكاك، وثالث في صناعة اللعب، ورابع في إنهاء الهجمات، وخامس في القيادة الميدانية. وحين تُحسن المنظومة اختيار هذه العناصر وتوزيع أدوارها، يتحول الفريق إلى كيان متجانس تتكامل فيه القدرات وتتضاعف فيه الفاعلية.

وقد عبّر السير أليكس فيرغسون عن هذا المعنى حين أكد أن بناء الفرق الناجحة يبدأ باختيار الأشخاص المناسبين قبل البحث عن الخطط المناسبة؛ لأن جودة العناصر هي التي تمنح الخطط قدرتها على الحياة. ولهذا نرى أحياناً فريقاً من أحد عشر لاعباً يؤدي وكأنه اثنان وعشرون لاعباً؛ لأن سر القوة لا يكمن في العدد، بل في الانسجام، وتكامل الأدوار، وجودة التنفيذ.

المحافظة على اللاعب السعودي جزء من المشروع

كما أن المحافظة على اللاعب السعودي يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من المشروع. فالجاهزية البدنية، والصحة العامة، والانضباط المهني، ونمط الحياة الرياضي، عناصر لا تقل أهمية عن المهارة الفنية. فاللاعب مشروع طويل الأمد، وكل استثمار في صحته وتطويره هو استثمار مباشر في مستقبل الرياضة الوطنية.

كأس العالم 2034 فرصة تاريخية

وتمثل استضافة كأس العالم 2034 فرصة تاريخية لإعادة بناء المنظومة على أسس أكثر استدامة. فالقيمة الحقيقية للبطولات الكبرى لا تكمن في تنظيمها فحسب، بل في الإرث الذي تتركه بعدها. ولهذا فإن ما تحتاجه الكرة السعودية ليس مشروعاً ينتهي مع صافرة بطولة، بل رؤية استراتيجية تمتد لعقود، قادرة على إنتاج الأجيال جيلاً بعد جيل.

وفي عالم الرياضة كما في سائر مجالات النجاح، لا تكفي الموهبة وحدها لصناعة الإنجاز. فقد كان مايكل جوردان يؤكد أن الموهبة قد تفوز بمباراة، لكن العمل الجماعي والانضباط يصنعان البطولات. وقد قيل إن الموهبة هبة، أما التميز فصناعة. وبين الهبة والصناعة تقع مسؤولية المنظومة بأكملها؛ فكم من موهبة وُلدت واختفت، وكم من موهبة صُقلت فأصبحت إنجازاً يرفع اسم وطن بأكمله.

السؤال الحقيقي: كيف نمنع ضياع الموهبة السعودية؟

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: لماذا خسر المنتخب؟ فهذا سؤال مؤقت.. وإنما: كيف نمنع ضياع الموهبة السعودية؟ فهذا سؤال المستقبل. فالمنتخبات قد تخسر مباراة ثم تعود، وقد تفقد بطولة ثم تستعيدها، أما الموهبة التي تضيع فلا يمكن استرجاع سنواتها المهدرة.

وحين نصل إلى مرحلة نستطيع أن نقول فيها بثقة: لم تعد هناك موهبة سعودية تستحق الفرصة إلا وقد وجدتها، ولم تعد هناك فجوة بين ما نخطط له وما ننجزه على أرض الواقع، فسنكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح نحو صناعة منتخب لا ينافس في بطولة فحسب، بل يصنع مستقبله بنفسه. ولأن الكؤوس تصنعها الأقدام، أما الأقدام التي تصنع الكؤوس فتكتشفها العيون الخبيرة، وترعاها المؤسسات الواعية، وتحتضنها الرؤى البعيدة.