يبدو أن النصر هو أقرب الفرق السعودية إلى المتنبي؛ فهو شبيه به في حاله ومعاناته، وطريقته في الناس، وموقف الناس منه، وفي تفرّده وتغريده خارج السرب، وما يحدثه من جدل دائم. فهو مالئ الدنيا وشاغل الناس؛ إذ بمجرّد ما يكون منافساً ترتفع وتيرة التنافس والجدل، وتبدأ المنازعات الرياضية ويتحرّك المشهد الرياضي وتنشط ذاكرة اللغة، ويعي العالم ذاته، وتصبح الرياضة ثقافة قانونية وجرعة معرفية.
الوهج العالمي للنصر مع رونالدو
وقد ازداد النصر بريقاً في السنوات الأخيرة بعد انضمام رونالدو له، فصار حديث العالم وامتلأت الشوارع بشعاراته ولافتات الترحيب به في كل بلد وكل إقليم. هذا البعد الإعلامي للنصر حقق له مكاسب عدّة، ليس أقلّها هذا الحضور والوهج الذي يحيط به كما لو كان هالة شمسيّة تنير طريق المنافسين للصعود معه إلى المنصة العالمية في الترند العالمي.
النصر وجدلية الحضور الدائم
كان وما يزال النصر موضع جدل طويل، سواء بين محبيه، أو بين خصومه، فكلّ من أراد قدراً من الشهرة والبريق تسلّق سوره ليظهر تحت وهجه. وقد استفاد منه الحلفاء والخصوم على حدّ سواء، حتى صارت الفرق نفسها تتنازع على خصومته لتبقى في دائرة الضوء. ومما يعزّز جدلية النصر أنه يلوي الأعناق إلى حيث يكون، فترى الإعلام الرياضي يتتبّع خطواته والمشاهدات تتزايد أرقامها بحثاً عن لقطاته.
لهذا ظل النصر، في عيون محبّيه ومناوئيه، الفريق الأكثر وهجاً وجدلاً، وهذه هي السمة المشتركة بينه وبين المتنبي، فكلاهما له محبون وكارهون يثيرون حولهما الجدل بحثاً عن الوهج والحضور في واجهة المشهد.
دوري 2026.. تتويج مستحق بعد موسم استثنائي
حقق النصر دوري هذا العام، موسم ٢٠٢٦ الرياضي، وهو النسخة الأصعب والأجمل والأكثر تنافساً، فكانت فرحة التتويج بحجم الانتظار، لا الانتصار وحسب. وكانت الأحداث التي سبقت التتويج من تعثّر وحدّة تنافس ومشاكسات وتشكيك من قبل المنافسين، كانت كل هذه الأحداث تمهيداً لهذا التتويج المستحق، وهذا التفوق الاستثنائي، لتكون الفرحة واحدة غير متعددة. ففي كرة القدم لا طعم للفرح المتصل، ولا للإنجازات المتواصلة تباعاً، لأنها تفقد المشجّع الرياضي روح الانتماء الحقيقي، وهذا ما صنع للنصر الفارق بين الفرق، وجعله حاضراً في اللحظة الحاسمة، وجعل للفرح معه مذاقاً خالصاً للمتعبين الذين جمعوا بين قلق الانتظار ولذة الانتصار، ذلك القلق الذي صنع منه المتنبي مركباً من الريح وهالة من المديح.
رونالدو.. أيقونة عالمية في خدمة النصر والرياضة السعودية
والأكيد الأكيد أن النصر كان محظوظاً بوجود رونالدو في صفوفه، هذا اللاعب الأسطورة الذي حشد كل إمكاناته لتعزيز حضور النصر تحت عين العالم، كما عزز حضور الرياضة السعودية والمشروع الرياضي السعودي الذي صار حديث العالم قبل بدء المونديال في أمريكا، فكان عتبة أولى للوهج الرياضي الذي كان ختامه بطولة استحقها رونالدو ورفاقه بما قدّموا من جهد وفنون في كرة القدم جعلت النصر الحدث الأبرز في نهاية الموسم.
لكن ما يعكّر صفو هذا النجاح هو تلويح رونالدو بالرحيل، وكأنّه يستحضر معه قول المتنبي الراسخ في ذاكرة الشعر: "إذا ترحّلت عن قومٍ وقد قدروا أن لا تفارقهم فالراحلون هُمُ!" لا أدري كيف سيكون النصر بعد رحيل رونالدو؟ وكيف سيكون الدوري السعودي؟ هل سيظل الوهج كما هو؟ هل ستمتد المنافسات على ذات الإيقاع التنافسي؟ أم أن المشهد الرياضي سيصاب بأعراض انسحابية حادّة؟ هذا متروك لوزارة الرياضة والمشرفين على المشروع إذا ما أرادوا بقاء المشهد على هذه الصورة الأيقونية التي تضارع صور كأس العالم وتنافسها حضوراً وحبوراً.
رسالة أخيرة للنصر
بقيت كلمة أخيرة أزفّها للنصر مالئ الدنيا وشاغل الناس: هذا هو الطريق، اسلكه على ذات الحماس والتألّق، ولكن حذار حذار من فاتك الأسدي، ومن تهوّرٍ كتهوّر المتنبّي، فالصحراء تعرفك وتعرف سواك.



