بين فرحة جورجينا وعزلة عائشة تامبا.. العائلة صنعت مجد النصر
العائلة صنعت مجد النصر بين فرحة وعزلة

ما إن سدد كريستيانو رونالدو الكرة في شباك ضمك، حتى أدار رأسه ناحية المدرج. لم ينظر للجماهير، بل نظر إلى صف محدد يجلس قريباً من أرضية الملعب: امرأة ترقص، وأطفال يقفزون فوق المقاعد، وطفلة صغيرة ترفعها أمها بين يديها كأنها تريد أن تشاهد الملعب بشكل أوضح. تلك العائلة كانت تنظر منذ ثلاث سنوات ونصف، تشاهد الإخفاقات وتشهد على الدموع الصامتة بعد كل نهائي ضائع. وفي هذه الليلة، كانت تنظر إلى نهاية مختلفة.

جورجينا رودريغيز.. الشاهدة الدائمة

اعتادت جورجينا التواجد في احتفالات تتويج شريكها في ثلاثة بلدان مختلفة، بداية من ريال مدريد الإسباني مروراً بيوفنتوس الإيطالي وصولاً إلى النصر. حضرت لحظة رفع كأس دوري أبطال أوروبا 2018 في كييف، وحضرت تتويج يوفنتوس بالكالتشيو موسم 2018-2019. لكن في السعودية، كان الانتظار أطول مما توقعت.

قبل ليلة التتويج أمام ضمك، كانت جورجينا قد حضرت أكثر من مناسبة لم تكتمل فيها فرحة رونالدو مع النصر. ظهرت في مباريات كبيرة، كان آخرها مواجهة الهلال في الجولة السابقة، حين تعادل النصر وفشل في حسم اللقب مبكراً أمام غريمه التقليدي. في تلك المباراة، جلست جورجينا قرب أرضية الملعب، مرتدية كوفية بشعار النصر، لكنها غادرت المدرج دون فرحة بعد أن تأجل الحلم إلى جولة أخرى.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

ثم جاءت ليلة الخميس. أظهرت اللقطة جورجينا وهي ترقص فرحاً خلال تواجدها في مدرجات ملعب الأول بارك برفقة أطفالها، احتفالاً بتحقيق فريق العالمي للقب، قبل أن تصفق للاعبي الفريق. وعندما أكمل رونالدو ثنائيته، احتفلت عائلته بحماس شديد، فرقصت جورجينا مع طفلهما وسط بحر من المشجعين. لكن التفصيلة الأهم لم تكن في الرقص، بل في اللحظة التي تلت الهدف الرابع: حين سار رونالدو ببطء إلى منتصف الملعب وانفجر بالبكاء، ناظراً نحو المدرجات حيث كانت جورجينا وأطفالها في غاية السعادة. تبادل النظرات هذا كان رسالة لم يفهمها أحد سواهم: فالانتظار انتهى أخيراً.

أطفال رونالدو: جيل لم يشاهد والده يرفع كأس دوري

كريستيانو جونيور وُلد عام 2010، وشاهد والده يرفع كأس دوري أبطال أوروبا أربع مرات مع ريال مدريد. لكن التوأم إيفا وماتيو، ومن بعدهما ألانا وبيلا وأخيراً بيلا إسميرالدا، لم يعرفوا والدهم بطلاً لدوري إلا في هذه الليلة. ماتيو خصوصاً كان حاضراً في كل المنعطفات الأخيرة، وسبق أن ظهرت جورجينا في المدرجات برفقته. إن طفلاً في الخامسة من الصعب أن يفهم لماذا والده يبكي بعد تسجيل هدف، لكنه سيكبر يوماً ويشاهد الفيديو ويعرف أن تلك الليلة كانت مختلفة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

عائشة تامبا: زوجة ماني التي لا تظهر

في الطرف المقابل من الطيف العاطفي، كانت قصة أهدأ بكثير تكتمل أيضاً. النجم السنغالي ساديو ماني، الذي افتتح التسجيل في الدقيقة 33 ومنح النصر الأمان منذ بداية الليلة، يعيش حياة عائلية مختلفة تماماً عن مواطنه البرتغالي. عقد قرانه على تامبا في يناير 2024، قبل أن تعود زوجته إلى مدرستها لمواصلة دراستها. الآن لديهما طفلة اسمها آمنة.

ماني له موقف معروف من حضور زوجته في الملاعب، حيث قال: «لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أسمح لزوجتي بأن تجلس في المدرجات وتتعرض للمضايقات، يمكنها أن تراني في التلفاز مثل أمي وأختي وبنات قريتي». لذا حين سجل ماني هدفه، لم يكن ينظر إلى المدرج، بل كان يعرف أن عائشة تشاهد من البيت، تحمل آمنة، وتنتظر مكالمة الفيديو بعد المباراة.

وعقب فوزه بكأس أفريقيا، قال ماني: «في بطولة كأس الأمم الإفريقية 2021 لم تكن لدي زوجة أو طفل، وكانت تلك البطولة مميزة للغاية، ولكن الآن احتفلت مع زوجتي وابنتي، لذا أصبح هذا النصر أكثر أهمية بكثير والسعادة لا توصف». والآن يدخل لقب الدوري السعودي إلى حسابه العائلي، لا الفردي فقط.

جواو فيليكس.. شاب وحيد لم يحقق لقباً منذ سنوات

في زاوية أخرى من الصورة، وقف لاعب لم يعتد على هذه اللحظات. إنه جواو فيليكس (26 عاماً) الذي وصفه العالم يوماً بأنه «ميسي البرتغالي» حين فجر مع بنفيكا في موسمه الأول 2018-2019. ومنذ ذلك الموسم، لم يفز فيليكس بأي لقب دوري، رغم مرور سنوات في أتلتيكو مدريد وإعارات لتشيلسي وبرشلونة، إلى أن وصل النصر هذا الموسم باحثاً عن البداية الجديدة.

لم يكتفِ فيليكس بكونه أكثر لاعبي النصر إسهاماً في صناعة وتسجيل الأهداف هذا الموسم، بل سجل ثلاثة أهداف (هاتريك) في الدقائق 3 و10 و90 ليسهم في فوز النصر 4-2 ضد الشباب قبل جولتين من النهاية. وفي ليلة الحسم، حرص رونالدو وفيليكس والمدير الفني خورخي خيسوس على الاحتفال بطريقة خاصة، والتقط الثلاثي البرتغالي صوراً تذكارية وهم يرتدون علم البرتغال فوق منصة التتويج. لفيليكس، هذا اللقب ليس مجرد كأس، بل دليل على أنه لم ينتهِ بعد.

العائلات السعودية المنسية

لا تكتمل القصة دون الإشارة إلى الأبطال الذين لم تركز عليهم العدسات: عائلات اللاعبين السعوديين. نواف بوشل، وعبد الإله العمري، وعبدالله الخيبري، وأيمن يحيى، وعبدالله الحمدان، وسالم النجدي، كل واحد منهم وراءه أم وأب وإخوة وزوجة عاشوا ضغط ارتداء أبنائهم لقميص النصر دون لقب دوري لسنوات.

العمري وحده انتظر هذا اللقب أكثر من عقد. ابن النصر الذي فاز بالدوري في العام الماضي مع الاتحاد يعرف ما تعنيه تلك الكأس للعائلات التي تشاهد كل أسبوع من بيوتها في الرياض وجدة والدمام. أما والدة سالم النجدي التي حضرت للملعب في المرة الأولى في حياتها، فلم تتمالك نفسها وانهمرت عيونها بالدموع بينما لسانها يلوذ بسلسلة من الدعوات والتهنئات. ولم يختلف الحال عند عائلة نواف بوشل أو عائلة عبدالله الحمدان، فكل تلك العائلات هي الذاكرة الحقيقية لأفراح نجوم النادي.

ما لم تلتقطه الكاميرات

في عالم كرة القدم الحديثة، صرنا نتعامل مع اللاعب كرقم، ونحسب الأهداف والتمريرات والنقاط. لكن في تلك الدقيقة 81 من مباراة ضمك، حين أدار رونالدو رأسه إلى جورجينا، تذكرنا أن خلف كل لاعب يبكي على أرض الملعب، هناك عائلة بكت قبله بكثير، في الكواليس، وفي البيوت، وفي الصلوات. اللقب الذي رفعه النصر ليس لرونالدو وحده، بل لجورجينا التي حملت ابنها بين يديها وهي ترقص، ولعائشة تامبا التي شاهدت من بعيد، ولأهالي اللاعبين السعوديين الذين بكوا بصمت. والكاميرات، رغم كل تطورها، لا تستطيع أن تلتقط كل هذا.